الإمارات تدمر السودان من أجل الربح والسيطرة على الموارد والثروات
قال تحقيق أمريكي إن الإمارات تدمر السودان من أجل الربح والسيطرة على الموارد والثروات ضمن مشروع إقليمي يقوم على الهيمنة الاقتصادية والتوسع السياسي ومواجهة القوى التي تهدد النظام الإقليمي الذي تفضله.
وتناولت مجلة “جاكوبين” الأمريكية في تحقيق موسع لها، دور الإمارات في الحرب الأهلية السودانية، معتبرة أن أبوظبي الطرف الخارجي الأكثر تأثيراً في الصراع، رغم افتقارها إلى المصالح الأمنية والجغرافية المباشرة التي تدفع دولا أخرى إلى التدخل.
وأوردت المجلة أن أبرز الدول الداعمة لقوات الدعم السريع تشمل تشاد وإثيوبيا وأوغندا وكينيا وجنوب السودان، فيما تدعم مصر والسعودية وإريتريا القوات المسلحة السودانية والحكومة القائمة بحكم الأمر الواقع.
وأوضحت أن مصالح معظم الأطراف الخارجية في السودان ترتبط بالجغرافيا أو المخاطر الأمنية أو تدفق اللاجئين، مشيرة إلى أن السعودية، رغم عدم امتلاكها حدودا برية مشتركة مع السودان، تشترك معه في ساحل البحر الأحمر، ولها مصلحة مباشرة في استقرار حدودها البحرية الغربية.
في المقابل، أشارت المجلة إلى أن الإمارات لا تمتلك حدودا مشتركة أو نهرا مشتركا مع السودان، ولا تواجه مخاطر وصول اللاجئين السودانيين إلى أراضيها، معتبرة أن دورها في الحرب يرتبط بمشروع وصفته بأنه “شبه إمبريالي”، يقوم على أربعة محاور استراتيجية مترابطة.
أربعة محاور للتدخل الإماراتي
حددت المجلة الهيمنة الاقتصادية باعتبارها الركيزة الأولى لهذا المشروع، مشيرة إلى أن مناجم دارفور الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع تغذي عمليات تهريب الذهب إلى دبي، غالبا عبر جنوب السودان أو مصر أو تشاد أو جمهورية أفريقيا الوسطى.
وأوضحت أن تحويل الذهب إلى عملات صعبة يوفر تمويلا للحرب، ويمنح الإمارات نفوذا على المسار الاقتصادي والسياسي للسودان.
وربطت المجلة أهمية السودان باستراتيجية إماراتية أوسع للسيطرة على الموانئ والخدمات اللوجستية في أفريقيا، ضمن برنامج استثماري تتجاوز قيمته 110 مليارات دولار في أنحاء القارة، ويشمل عشرات الامتيازات المينائية والموانئ الجافة والمراكز اللوجستية.
واعتبرت أن السيطرة على موانئ السودان وأراضيه وثرواته المعدنية تمثل أحد الأسباب التي تجعل استمرار الحرب يخدم مصالح أبوظبي، رغم غياب المصالح الأمنية المباشرة أو الحدود المشتركة أو المخاوف المتعلقة بوصول اللاجئين إلى الإمارات.
أما الركيزة الثانية، فتتمثل، وفق المجلة، في التوسع السياسي، إذ يشكل السودان موقعا استراتيجيا ضمن مساعي الإمارات لتوسيع نفوذها في أفريقيا دون تحمل تكاليف السيطرة الإمبريالية الرسمية.
ووصفت المجلة القوة شبه الإمبريالية بأنها طرف يمارس نفوذا إمبرياليا ضمن نطاقه الإقليمي، مع مواءمة تحركاته مع المصالح العامة لقوة عالمية مثل الولايات المتحدة.
ورأت أن ذهب السودان وأراضيه الزراعية الخصبة وساحله على البحر الأحمر ومساحته الشاسعة توفر مجالا لاختبار هذا المشروع.
وحددت المجلة الركيزة الثالثة في رغبة الإمارات بمواجهة الحركات السياسية الإسلامية ونفوذ إيران، لكنها أشارت إلى أن أبوظبي أبدت استعدادا للتعاون مع حكومات إسلامية، بينها نظام عمر البشير في السودان، عندما كان ذلك يخدم مصالحها، كما كانت لفترة طويلة قناة لإيران للالتفاف على العقوبات الدولية.
واعتبرت أن ما يعارضه القادة الإماراتيون ليس الإسلام السياسي أو إيران بحد ذاتهما، وإنما أي قوة سياسية، إسلامية كانت أو علمانية أو اشتراكية أو ديمقراطية، تهدد النظام الإقليمي الذي يفضلونه.
أما الركيزة الرابعة، فتتعلق، بحسب المجلة، بالقلق على بقاء النظام والخشية من انتقال العدوى الديمقراطية، وهي مخاوف أعادتها إلى الانتفاضات العربية عام 2011، عندما واجه نموذج الحكم الإماراتي ما وصفته المجلة بأنه تهديد وجودي.
وأشارت إلى أن أبوظبي تحولت عقب تلك الانتفاضات إلى قوة منظمة لمواجهة الثورات في المنطقة، مستخدمة وسائل مختلفة للتدخل في بلدان متعددة.
وربطت المجلة الموقف الإماراتي من السودان بثورة ديسمبر 2018، معتبرة أن الانتقال الديمقراطي الناجح الذي يحققه عامة الشعب، وليس النخب، كان يمكن أن يقدم نموذجا لشعوب المنطقة، رغم عدم تشكيل السودان تهديدا ماديا مباشرا للإمارات.
شبكة إقليمية لدعم قوات الدعم السريع
ذكرت “جاكوبين” أن معظم الدول التي تدعم قوات الدعم السريع لا تتحرك انطلاقا من مصالح مستقلة في السودان فحسب، بل تعمل، بدرجات متفاوتة، نيابة عن الإمارات، ضمن شبكة تمتد إلى رواندا وإقليم بونتلاند الصومالي شبه المستقل.
وأشارت إلى أن معظم الدول التي تسهّل أنشطة قوات الدعم السريع لا تتحرك بدافع مصالحها المستقلة في السودان وحدها.
وأوضحت أن الإمارات أقامت، على مدى أكثر من عقد، علاقات مالية ودبلوماسية متينة مع قيادات هذه الدول، استندت إلى الاستثمار وتمويل البنية التحتية والتعاون الأمني، وإلى التأثير المباشر على مسؤولين حكوميين محددين في بعض الحالات الموثقة.
وفصلت المجلة أدوار هذه الشبكة، مشيرة إلى استخدام الإمارات أراضي ومجالات جوية وقواعد عسكرية تابعة لقوات خليفة حفتر في ليبيا لنقل الأسلحة والمقاتلين إلى السودان.
واستشهدت بتحقيق لوكالة رويترز كشف عن معسكر سري ممول من الإمارات قرب الحدود السودانية في إثيوبيا، أنشئ لتدريب مقاتلي قوات الدعم السريع.
وأوردت تقارير عن مسارات إمداد أخرى مرتبطة بالإمارات عبر رواندا وأوغندا وكينيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وغيرها، إضافة إلى مرافق أُنشئت في تشاد وجنوب السودان تحت غطاء إنساني أو طبي، قالت إنها تُستخدم لنقل الأسلحة وعلاج مقاتلي قوات الدعم السريع الجرحى.
المواقف الغربية والتحذيرات من سقوط الفاشر
اتهمت “جاكوبين” الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا بإعطاء الأولوية لعلاقاتها مع دول الخليج، ولا سيما الإمارات، رغم المعلومات المتاحة بشأن دور أبوظبي في الحرب السودانية.
ورأت أن الحكومات الغربية اكتفت بالتعبير عن القلق، رغم امتلاك أجهزتها الاستخباراتية ومسؤوليها معلومات تفصيلية عن التحركات الإماراتية، ونشر منظمات حقوقية، بينها العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، تحقيقات بشأنها.
وأشارت إلى تحقيقات نشرتها وسائل إعلام، بينها نيويورك تايمز وول ستريت جورنال ولوموند، بشأن الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع.
وذكرت أن المسؤولين في واشنطن ولندن كانوا على علم باقتراب قوات الدعم السريع من السيطرة على الفاشر، وباحتمال وقوع فظائع جماعية عقب سقوط المدينة.
واستشهدت بإحاطات متكررة قدمها مختبر ييل للأبحاث الإنسانية إلى الحكومتين الأمريكية والبريطانية ومجلس الأمن الدولي، حذر فيها من أن حصار قوات الدعم السريع للفاشر سيؤدي إلى محاصرة أكثر من مليون مدني، وأن الوقت المتاح للتدخل آخذ في النفاد.
وأكدت المجلة أن المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين كانوا يدركون اقتراب سقوط الفاشر واحتمال وقوع فظائع جماعية، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة كانت تستضيف محادثات مع ممثلين عن قوات الدعم السريع والحكومة السودانية بالتزامن مع سقوط المدينة، لكنها لم تتخذ إجراءً لمنع ذلك.
كما ذكرت أن فرنسا وكندا تلقتا تقارير عن استخدام قوات الدعم السريع أسلحة فرنسية وكندية الصنع، وُرّدت إلى الإمارات واستُخدمت في دارفور، في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، من دون أن تتخذ الدولتان أي إجراء.
وانتقدت المجلة اقتصار العقوبات على الكولومبيين الذين جُنّدوا للقتال كمرتزقة، من دون أن تشمل الشركات والمسؤولين الإماراتيين الذين قالت إنهم موّلوا عمليات التجنيد وسهّلوها.
وأكدت أن الدور المتاح للمجتمع الدولي أكثر تحديداً وجدوى، ويتمثل في وقف الدول التي تغذي الحرب بالأسلحة والتمويل والدعم اللوجستي، وتسمية الحكومات الداعمة لقوات الدعم السريع وفرض تكاليف فعلية عليها، وفي مقدمتها الإمارات.
ودعت المجلة إلى فرض عقوبات على الأفراد والشركات والقنوات المالية المسؤولة عن نقل الأسلحة والذهب، بدلا من الاقتصار على المرتزقة المجندين في المستويات الدنيا من هذه الشبكات.
وأشارت إلى إمكانية تتبع الأصول الإماراتية وأصول الشركات المرتبطة بها داخل الأنظمة المصرفية وأسواق العقارات في العواصم الغربية الرئيسية، معتبرة أن هذه الأصول يمكن استخدامها وسيلة للضغط بدلا من إبقائها بمنأى عن المساءلة.
وخلصت إلى أن نمط التدخل الإقليمي في السودان لم يتغير بصورة أساسية منذ عام 2023، لكن الإمارات، التي ترى المجلة أنها لا تمتلك مصلحة مباشرة في المنطقة وتتمتع بقدرات كبيرة، تمكنت من التدخل بتكلفة شبه معدومة.
وانتقدت ما وصفته بتأخر السعودية، بوصفها منافساً إقليميا للإمارات، والحكومات الغربية التي تمتلك نفوذا فعليا على أبوظبي، في التحرك، أو امتناعها عن اتخاذ إجراءات، مؤكدة أن الحكومات الغربية لا تستطيع الادعاء بأنها افتقرت إلى المعلومات، بعدما تلقت تقارير استخباراتية وتحذيرات مباشرة بشأن الحرب وتداعياتها.
ووصفت امتناع هذه الحكومات عن التحرك بأنه قرار متعمد اتُخذ مع إدراك عواقبه، وليس مجرد إخفاق سياسي، داعية إلى محاسبة الحكومات والأفراد الذين اتخذوا هذه القرارات ودعموها، والتحقيق في مسؤوليتهم عن المساهمة في الجرائم المرتكبة خلال الحرب.
