الرئيس تبون: “الجزائر جعلت من انتمائها الإفريقي خيارا استراتيجيا ثابتا”..
في خطاب له خلال قمة "النيباد" قرأه رئيس مجلس الأمة عزوز ناصري
أكد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون, اليوم السبت, أن الجزائر جعلت من انتمائها الإفريقي خيارا استراتيجيا ثابتا, وهو الالتزام الذي عملت على ترجمته من خلال مبادرات ومشاريع ملموسة تستهدف تعزيز التكامل والربط بين دول القارة.
وأوضح الرئيس تبون، أن الطّريق الرّابط بين تندوف والزويرات في موريتانيا، إلى جانب مشاريع توسيع شبكة السّكك الحديديّة نحو الجنوب، يندرج ضمن الرّؤية ذاتها الهادفة إلى تعزيز الرّبط الاقتصادي مع دول الجوار، وفتح منافذ جديدة للتبادل والتّكامل.
واضاف ، “يضاف إلى ذلك مشروع الألياف البصريّة المحورية العابرة للصّحراء، بما يحمله من أهمية في تعزيز الرّبط الرّقمي ودعم الاقتصاد الرّقمي في منطقة السّاحل، فضلاً عن مشروع أنبوب الغاز العابر للصّحراء، باعتباره مشروعًا استراتيجيًّا للتّعاون في مجالي الطّاقة والتّنمية”.
ولفت في هذا الصدد، أن الجزائر ساهمت منذ استقلالها، في تكوين عشرات الآلاف من الإطارات الإفريقيّة في مختلف التّخصّصات، وتواصل سنويًّا توفير فرص للتّكوين ومنح دراسيّة لفائدة الطّلبة الأفارقة، في إطار مساهمتها في تنمية رأس المال البشري الإفريقي.
وأكد الرئيس تبون ان هذه المشاريع والمبادرات لا تنظر إليها الجزائر باعتبارها إنجازات وطنيّة فحسب، بل بِوَصْفِها لَبِنَات في بناء فضاء إفريقي أكثر ترابطًا وتكاملاً وقدرة على تحقيق التّنمية المشتركة.
وفي معرض حديثه، أشار رئيس الجمهورية إلى أن “المرحلة المقبلة من مسار ” النيباد ” لا يكتمل دون معالجة إحدى أهمّ المعضلات الّتي تواجه التّنمية في قارّتنا، والمتمثلة في فجوة التّمويل.
وشدد الرئيس على ضرورة تعزيز قدرة إفريقيا على تعبئة مواردها الذاتيّة، من خلال “توجيه رؤوس الأموال والمدّخرات الإفريقيّة نحو أولوياتها التّنموية، وتدعيم دور المؤسّسات الماليّة القارّية، مع مواصلة العمل من أجل نظام مالي دولي أكثر إنصافًا وتمثيلًا لمصالح القارّة” .
وفي هذا الإطار، أكد الرئيس تبون على أن القطاع الخاص سيظلّ شريكًا محوريًّا في الاستثمار والإنتاج والابتكار وخلق فرص العمل وتطوير سلاسل القيمة الإقليميّة والقارّية، وهو ما يستدعي مواصلة تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز قابلية المشاريع للتّمويل، وتطوير الشّراكات بين القطاعين العام والخاص، والاستفادة بصورة أكبر من آليّات التّمويل المبتكرة والتّمويل المختلط وتقاسم المخاطر.
وفي هذا السّياق، أكد رئيس الجمهورية على أهميّة ترجمة هذه الرّؤية إلى آليّات عملية من شأنها تعبئة الاستثمار، وإعداد محافظ للمشاريع القابلة للتّمويل، ودعم المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة وسلاسل القيمة الإفريقيّة، فضلًا عن تطوير أدوات إفريقية مبتكرة للتّمويل المختلط وتقاسم المخاطر.
كما أشار الرئيس تبون إلى أن نجاح هذه الآليّات سيظل رهينًا بقدرتها على التّحوّل إلى مشاريع فعليّة، وفق آجال واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، بحيث يكون الأثر الملموس على حياة المواطن الإفريقي هو المعيار الحقيقي لنجاح عملنا المشترك.
وفي هذا الإطار، وجدّد الرئيس تبون تأكيد الجزائر على ضرورة تعزيز الموارد الماليّة والتّقنية والبشرية الموجّهة لتنفيذ المشاريع الرّائدة لأجندة 2063، وتسريع تجسيد منطقة التّجارة الحرّة القارّية الإفريقيّة، وتوفير الظّروف الكفيلة بتحويلها إلى رافعة حقيقيّة للتكامل والإنتاج والتّجارة البينية.
كما يأتي دعم الجزائر لإنشاء الوكالة الإفريقيّة للتّصنيف الائتماني في إطار هذا التّوجّه الرّامي إلى تعزيز السّيادة المالية للقارّة، وتحسين تقييم اقتصاداتها، وتوفير شروط أكثر إنصافًا للولوج إلى التّمويل.
وتواصل الجزائر، بالموازاة مع ذلك، الدّعوة في المحافل الدّوليّة إلى معالجة أكثر عدلًا واستدامة لمسألة مديونية الدّول النّامية، وإلى إصلاح عميق للمؤسّسات المالية الدّوليّة بما يضمن تمثيلًا أفضل لإفريقيا ويعزّز قدرتها على تمويل أولوياتها التّنموية.
وانطلاقًا من قيم التّضامن الإفريقي، عزّزت الجزائر كذلك تعاونها مع الدّول الشّقيقة من خلال الوكالة الجزائريّة للتّعاون الدّولي من أجل التّضامن والتّنمية، الّتي ترافق وتموّل مشاريع تنموية في عدد من الدّول الإفريقيّة، لا سيما في مجالات البنى التّحتيّة والصّحة والتّعليم والطّاقة والمياه.
وأشاد الرئيس تبون بنجاح وكالة الاتّحاد الإفريقي للتّنمية ” النيباد” في ترسيخ مكانتها كأداة مركزية لتنفيذ الأولويّات التّنموية للقارّة، وشريك موثوق لدى الدّول الأعضاء ومختلف الشّركاء.
ودعا رئيس الجمهورية إلى وكالة أكثر قوّة ومرونة وفاعليّة، وأكثر استجابة لأولويّات الدّول الأعضاء، تتمتّع بما يكفي من القدرات التّشغيليّة والموارد الماليّة لتمكينها من الاضطلاع الكامل بمهامها.
وأضاف “كما يتعين تعزيز التّكامل بينهما وبين مفوضية الاتّحاد الإفريقي والمجموعات الاقتصاديّة الإقليميّة، وتفادي التّداخل في الأدوار والاختصاصات، وتدعيم قدرتها على إعداد المشاريع القابلة للتّمويل، وتعبئة الموارد، وبناء القدرات، ومتابعة التّنفيذ وتقييم الأثر” .
كما أشار الرئيس تبون إلى أن أهميّة الدّور الّذي يمكن أن تضطلع به الدّول المؤسّسة ” للنيباد “، تبرز ليس باعتباره امتيازًا تاريخيًّا، وإنّما مسؤوليّة متجدّدة في الحفاظ على روح المبادرة والمساهمة في تكييفها مع التّحدّيات والمتغيّرات الجديدة.
وفي ظلّ التّحدّيات الصّحية الّتي تواجهها القارّة، أكد الرئيس تضامن الجزائر مع الدّول الإفريقيّة المتضرّرة، وتدعو إلى تعزيز قدرة إفريقيا على الاستجابة الجماعيّة للأوبئة والطوارئ الصّحية، من خلال التّضامن وتبادل الخبرات وتقوية الأنظمة الوطنيّة والقارّية للرّصد والوقاية والاستجابة..
وأشار الرئيس تبون إلى أن الجزائر تتطلّع إلى أن تفضي قمتنا هذه إلى إطلاق مرحلة جديدة من العمل والإنجاز الإفريقي، تكون فيها المشاريع أكثر قابلية للتنفيذ والتّمويل، والمؤسسات أكثر فاعلية، والموارد الإفريقية أكثر تعبئة، والشّراكات أكثر توازنًا، والنّتائج أكثر وضوحًا وقابلية للقياس.
مضيفا، “واليوم، كما بالأمس، تظلّ مبادرة ” النيباد ” محتفظة بكامل راهِنِيَّتِها وأهمِيَّتِها الاستراتيجيّة. قائلا”ومن واجبنا أن نواصل دعم وكالة الاتّحاد الإفريقي للتنمية وتمكينها من أداء دورها في تعبئة الجهود الجماعيّة، وتسريع تنفيذ المشاريع الهيكليّة الكبرى، وتعزيز التّكامل القارّي، والاستجابة لتطلعات شعوبنا إلى تنمية شاملة ومستدامة، تقودها إفريقيا بإرادتها وإمكاناتها” .
وختام كلمته دعا الرئيس تبون إلى “جعل هذه الذّكرى بداية لمرحلة جديدة من العمل الإفريقي المشترك، تقوم على الثقة في قدرات قارّتنا، وحسن توظيف مواردها، وترجمة طموحاتها إلى إنجازات ملموسة، إيمانًا منّا بأنّ مستقبل إفريقيا ينبغي أن يُصنع بإرادة إفريقية، ولصالح شعوب إفريقيا”.
