السيادة الاقتصادية و الطاقوية في منظور الرئيس تبون
لم يكن حديث رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، خلال لقائه الدوري الأخير مع الصحافة الوطنية مجرد استعراض لأرقام اقتصادية أو عرض لمشاريع قيد الإنجاز، بل حمل رسائل أوسع ترسم ملامح الجزائر وهي تدخل مرحلة جديدة من البناء الاقتصادي وتعزيز القرار السيادي، في ظرف إقليمي ودولي شديد التعقيد.
التصريحات التي قدمها رئيس الجمهورية كشفت عن رؤية تقوم على الانتقال التدريجي من اقتصاد يعتمد بشكل كبير على المحروقات إلى اقتصاد أكثر تنوعا، مع الحفاظ على التوازنات الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية للمواطن، بالتوازي مع تشديد الرقابة على المال العام وترشيد استعمال العملة الصعبة.
اقتصاد على أرضية صلبة
وفي هذا السياق، أكد الرئيس تبون أن تقرير صندوق النقد الدولي جاء متسقا مع الآفاق التي سطرتها الجزائر، مشيرا إلى أن الاقتصاد الوطني أصبح قائما على أرضية صلبة، وأن بلوغ ناتج محلي خام في حدود 400 مليار دولار خلال الثلاثي الأول من سنة 2027 يبقى هدفا ممكنا.
كما توقع أن تتجاوز نسبة النمو الاقتصادي 3.8 بالمائة، مع إمكانية بلوغ حدود 4.2 بالمائة، في وقت تستهدف فيه الجزائر تحقيق دخل قار خارج المحروقات لا يقل عن 50 مليار دولار.
هذه الأرقام، وفق الرؤية التي عرضها رئيس الجمهورية، لا تنفصل عن مسار أوسع من المشاريع الاستثمارية والصناعية والبنى التحتية، بما يجعل الرهان الحقيقي هو تحويل النمو إلى قوة إنتاجية دائمة، وليس مجرد ظرف اقتصادي مرتبط بأسعار النفط والغاز.
من المحروقات إلى اقتصاد أكثر تنوعا
وتراهن الجزائر على قطاعات استراتيجية عديدة، من بينها الصناعة والتعدين والفوسفات والحديد والنقل والطاقة والمياه.
وفي قطاع الحديد، أعلن رئيس الجمهورية أن الحديد الجزائري سيدخل في تصنيع سيارات “فيات”، في مؤشر على توجه نحو توسيع سلسلة القيمة الصناعية محليا وعدم الاكتفاء بتصدير المواد الأولية.
كما ستوجه كميات من الفوسفات المدمج إلى التصدير، فيما ستخصص كميات أخرى لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية، بما يعكس توجها نحو تثمين الثروات الطبيعية قبل تسويقها.
وبالتوازي، تتقدم مشاريع استراتيجية في النقل، من بينها توسعة ميناء عنابة المرتقب استكمالها في أواخر الثلاثي الأول من 2027، وتسريع مشروع السكة الحديدية الرابط بين العاصمة وتمنغست عبر إنجازه من ثلاثة مواقع مختلفة.
الجزائر والطاقة.. شريك لا يتصرف بتهور
وعلى المستوى الدولي، حملت تصريحات الرئيس تبون رسالة واضحة بشأن موقع الجزائر في سوق الطاقة العالمية، مؤكدا أن الجزائر لن تسجل عليها أي حالة تهور في هذا السوق، وأنها ستبقى دائما مع الإجماع.
وتبرز هنا أهمية الجزائر كدولة منتجة للغاز والنفط، وفاعل أساسي في أمن الطاقة الإقليمي، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.
وفي السياق نفسه، عاد مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء إلى الواجهة، باعتباره مشروعا يربط إفريقيا بأوروبا، ويمر عبر نيجيريا والنيجر والجزائر، بما يمنحه بعدا يتجاوز المصالح الثنائية ليصبح جزءا من معادلة أمن الطاقة الأوروبية والإفريقية.
وأكد الرئيس أن المشروع واقعي بالنسبة لأوروبا، مشيرا إلى أن ما عدا هذا المشروع لن يكون له الأثر نفسه في هذا المسار.
كما كشف عن تقدم الأشغال في الأنبوب العابر للمتوسط، مع بقاء أقل من ألف كيلومتر لربطه، وهو ما يعزز موقع الجزائر كحلقة استراتيجية بين مصادر الطاقة الإفريقية والأسواق الأوروبية.
سيادة اقتصادية تبدأ من العملة الصعبة
ومن أبرز الرسائل التي حملتها تصريحات رئيس الجمهورية التأكيد على أن ترشيد صرف العملة الصعبة ليس تراجعا عن الانفتاح الاقتصادي، وإنما إجراء لحماية احتياطات الصرف وضمان السيادة الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، شدد الرئيس على أن الجزائر لن تعود إلى مرحلة تضخيم الفواتير، محذرا في المقابل من أساليب أخرى، بينها تخفيض الفواتير بهدف تهريب العملة.
كما كشف عن وجود صناعيين يستوردون سيارات فاخرة عوض استيراد احتياجات مصانعهم، وهي ممارسات قال إن الرقمنة ساهمت في كشفها.
وتكشف هذه المعطيات عن انتقال الرقابة الاقتصادية إلى مستوى أكثر تطورا، حيث أصبحت قواعد البيانات والربط الرقمي بين مختلف المؤسسات أداة لكشف التجاوزات وملاحقة شبكات التحايل.
الرقمنة تكشف ما كان مخفيا
ولعل من أكثر الأرقام التي أثارت الانتباه إعلان رئيس الجمهورية عن اكتشاف 581 شركة صرحت بمعلومات مزورة واستعملت عنوانا واحدا في عمارة بأولاد فايت، إلى جانب حوالي 200 شركة تستعمل رقما تسلسليا واحدا لدى مصالح الضمان الاجتماعي.
وبحسب الرئيس، فإن الجزائر تقدمت كثيرا في مجال الرقمنة، وهو ما سمح باكتشاف هذه الممارسات التي ستؤول إلى العدالة.
الرسالة هنا واضحة: الرقمنة لم تعد مجرد مشروع لتحديث الإدارة، وإنما أصبحت أداة لحماية الاقتصاد الوطني ومحاربة الفساد والتهرب والتحايل.
اقتصاد حر.. مع حماية اجتماعية
وفي البعد الاجتماعي، أكد رئيس الجمهورية أن الاقتصاد الوطني يتجه نحو الاقتصاد الحر، لكن مع ضمان حماية الطبقات الفقيرة.
كما شدد على أن رفع الأجور والمنح سيكون مرتبطا بارتفاع المداخيل وبرامج التنمية، تفاديا لخلق تضخم ناتج عن زيادات غير مدعومة بقدرة اقتصادية حقيقية.
وهنا تبرز معادلة دقيقة تحاول الجزائر تحقيقها: تحرير الاقتصاد وتشجيع الاستثمار والمبادرة الخاصة، دون التخلي عن البعد الاجتماعي الذي ظل أحد ثوابت الدولة.
20 ألف مشروع.. اختبار حقيقي لعودة الثقة
ويرتبط نجاح هذه الرؤية بقدرة الجزائر على تحويل الاستثمارات إلى نشاط اقتصادي فعلي.
وفي هذا السياق، اعتبر الرئيس أن نجاح 20 ألف مشروع استثماري سيكون دليلا على عودة الثقة في الاقتصاد الجزائري، فيما يمثل الشباك الوحيد مؤشرا قويا على ديناميكية الاستثمار على المستوى الوطني.
كما دعا القطاع الخاص، الذي يستفيد من نسبة كبيرة من التمويلات البنكية العمومية، إلى التفكير في إنشاء بنوك خاصة، بما يساهم في توسيع قاعدة التمويل وتنويع الفاعلين داخل المنظومة المالية.
الجزائر لا تقترض.. بل تبني قدرتها الذاتية
ومن أكثر الرسائل وضوحا في حديث الرئيس، تأكيده مجددا عدم وجود نية للاستدانة من صندوق النقد الدولي.
وتأتي هذه الرسالة في إطار التأكيد على استقلالية القرار الاقتصادي، وعلى أن الجزائر تريد تمويل مشاريعها والحفاظ على خياراتها المالية بعيدا عن شروط الاستدانة الخارجية.
فالسيادة السياسية، وفق هذا التصور، لا تكتمل دون سيادة اقتصادية ومالية، وقدرة على اتخاذ القرار بعيدا عن الضغوط الخارجية.
الجزائر.. من سوق إقليمية إلى لاعب دولي
وفي البعد الدولي، لم تغب الاستثمارات العربية عن حديث الرئيس، حيث أكد أن استثمارات الأشقاء العرب مرحب بها، مع الإشارة إلى استثناء يعرفه الجميع.
كما أكد أن الجزائر ترفض أن تتحول ثرواتها إلى مجرد مواد خام تصدر دون تثمين، وهو ما يفسر التركيز على الحديد والفوسفات والأسمدة والصناعة التحويلية.
وفي الوقت نفسه، تواصل الجزائر الاستثمار في الأمن المائي، حيث بلغت مشاريع محطات تحلية مياه البحر المتبقية حوالي 70 بالمائة، ومن المنتظر أن تغطي عند دخولها الخدمة مجتمعة 62 بالمائة من احتياجات مياه الشرب.
نقطة اللارجوع
ربما تكون الرسالة الأبرز في حديث الرئيس تبون هي أن الآفاق التي حددتها الجزائر لسنة 2027 يمكن أن تدفع البلاد إلى “نقطة اللارجوع” في مجال التنمية.
والمقصود هنا ليس مجرد بلوغ رقم اقتصادي محدد، وإنما الوصول إلى مرحلة يصبح فيها مسار التنمية والاستثمار والإنتاج والبنية التحتية والرقمنة مترابطا بصورة تجعل العودة إلى النماذج القديمة أمرا أكثر صعوبة.
وبين مشاريع الطاقة والحديد والفوسفات والسكك الحديدية والموانئ وتحلية المياه، وبين الرقمنة ومكافحة التلاعب وترشيد العملة الصعبة، تتشكل تدريجيا صورة جزائر تريد أن تعيد تعريف موقعها الاقتصادي.
الجزائر التي تتقدم بصمت
الجزائر اليوم لا تتحرك في فراغ فهي تقع في قلب منطقة متوسطية وإفريقية تتقاطع فيها ملفات الطاقة والأمن والتجارة والاستثمار.
ولهذا فإن المشاريع التي تحدث عنها رئيس الجمهورية لا تحمل أبعادا داخلية فقط؛ فخطوط الغاز تربط الجزائر بأوروبا، والأنبوب العابر للصحراء يربط إفريقيا بالسوق الأوروبية، والموانئ تعزز موقع البلاد على المتوسط، والسكك الحديدية تفتح العمق الإفريقي، فيما يمنح تثمين الموارد الطبيعية الجزائر قدرة أكبر على الحضور في الأسواق العالمية.
ومن هنا، فإن الرهان الجزائري لا يبدو محصورا في تحقيق نمو اقتصادي ظرفي، بل في بناء اقتصاد أكثر إنتاجا، دولة أكثر رقمنة، ومؤسسات أكثر قدرة على حماية المال العام، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني.
الجزائر، وفق الرسائل التي حملها حديث رئيس الجمهورية، لا تبحث فقط عن مكان لها في الاقتصاد العالمي، بل تعمل على بناء شروط تجعلها طرفا لا يمكن تجاوزه في معادلات الطاقة والاستثمار والتجارة والتنمية في إفريقيا والمتوسط.
