تنزروفت.. “أرض الخوف” تتحول إلى سجن لردع بارونات المخدرات
صدر عن اجتماع المجلس الأعلى للأمن، برئاسة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، عدد من القرارات الهامة، يرتبط بعضها بإنشاء هيئة أمنية مختصة في مكافحة الجرائم المتعلقة بالمخدرات.
كما تقرر خلال الإجتماع، الذي أجري برئاسة رئيس الجمهورية، بتحويل ثكنة تابعة للجيش الوطني الشعبي بالصحراء الكبرى، في تنزروفت، إلى سجن عالي التأمين مخصص لبارونات المخدرات ومروجيها.
أين تقع تنزروفت؟
تقع تنزروفت في الجزء الجنوبي الغربي من الصحراء الكبرى، وتغطي مساحة شاسعة تمتد أساسا في الجنوب الجزائري، بين ولايتي أدرار وبرج باجي مختار، وصولا إلى شمال جمهورية مالي، حيث تضم طريقا ترابيا صحراويا غير معبد بالكامل، يتطلب مركبات خاصة واستعدادات جغرافية ولوجستية دقيقة لتفادي مخاطر الأعطال أو الضياع.
وتعتبر منطقة تنزروفت واحدة من أكثر مناطق الصحراء الكبرى جفافا وقسوة وعزلة على وجه الأرض، لدرجة أنها تُلقب بـ “أرض الخوف” أو ” أرض العطش” في التراث الأمازيغي والترقي، حيث تتجاوز درجات الحرارة في المنطقة 50 درجة مئوية في الظل خلال فصل الصيف، مع تباين حراري حاد يتسبب في انخفاضها إلى ما يقارب الصفر درجة مئوية ليلا.
وما يجعل هذه المنطقة أكثر خطورة هو تصنيفها كمنطقة شديدة الجفاف بشكل مطلق، حيث يقل معدل تساقط الأمطار فيها عن 5 مليمترات سنويا، وعلى عكس معظم المناطق الصحراوية التي تتميز بالكثبان الرملية أو الجبال، تتميز تنزروفت بكونها هضبة حصوية منبسطة وممتدة، تتكون من الحجارة والصخور الصماء، ما يجعل المشهد الممتد لمئات الكيلومترات متطابقا إلى حد كبير، ما يؤدي إلى ضياع الاتجاهات وسهولة فقدان المسار.
وتتميز “أرض الخوف “ بغياب شبه كلي للمياه والعمران، حيث تفصل بين نقاط المياه فيها مسافات هائلة تمتد لعشرات الكيلومترات، كما تكاد تخلو تماما من الواحات أو السكان، باستثناء بعض النقاط الحدودية والممرات القاحلة.
كما تعرف “أرض العطش “ انعداما شبه كلي للنباتات والغطاء الشجري، حتى بالنسبة إلى النباتات الصحراوية المقاومة للجفاف، ما يؤثر سلبا على الحياة الحيوانية البرية في المنطقة.
ما الهدف من إنشاء هيئة أمنية مختصة في مكافحة الجرائم المتعلقة بالمخدرات في تنزروفت؟
يعتبر تحويل ثكنة عسكرية سابقة للجيش الوطني الشعبي في صحراء تنزروفت إلى سجن عالي التأمين لبارونات المخدرات ومروجيها خطوة استراتيجية حازمة ذات أبعاد أمنية مهمة، بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية والتاريخية الفريدة التي تتشكل بها هذه المنطقة.
ويفرض واقع تصنيف هذه الصحراء كواحدة من أكثر مناطق العالم قسوة وجفافا، مع انعدام الواحات والمناطق المأهولة بالسكان، طوقا أمنيا طبيعيا وحاجز مهم يصد أي فرصة للتفكير في الهروب أو اختراق الموقع بأي شكل من الأشكال.
ووجهت السلطات العليا في البلاد، من خلال هذا القرار، رسالة صارمة بشأن التعاطي مع قضايا المخدرات، باختيار بقعة تُعرف تاريخيا بـ “أرض الخوف”، لضمان تطبيق العقوبات ضد المجرمين، في بيئة عالية الانضباط والتأمين.
كما أن البعد الردعي لأي منشأة من هذا النوع يقوم على عدة أسس على غرار قسوة الموقع الجغرافي وأيضا على منظومة متكاملة تشمل التأمين المادي والتكنولوجي، والمراقبة المستمرة، وإدارة المعلومات الأمنية، ومنع الاتصالات المُحتمل حدوثها بطريقة غير مشروعة، إلى جانب المتابعة القضائية واحترام القواعد القانونية والتنظيمية المعمول بها.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في السياق الجزائري، حيث يتطلب التصدي للجريمة المنظمة تنسيقا بين مختلف مؤسسات الدولة وأجهزتها المختصة، مع تعزيز العمل الأمني على امتداد الحدود، ومراقبة مسارات التهريب، وتجفيف مصادر تمويل الشبكات الإجرامية.
وعليه، فإن البعد الاستراتيجي لمثل هذا التوجه، يتمثل أساسا في فصل العناصر الخطيرة عن الشبكات الإجرامية المنظمة التي تعمل على الترويج للسموم والمهلوسات وسط المجتمع الجزائري، مع تعزيز قدرة الدولة على تفكيك التنظيمات الإجرامية العابرة للحدود.
كما أن منطقة تنزروفت، بما تمثله من عزلة جغرافية وطبيعة صحراوية قاسية، قد تتحول من مجرد فضاء جغرافي شديد القسوة إلى عنصر ضمن منظومة أمنية متكاملة، يكون هدفها الأساسي حماية المجتمع والدولة من مخاطر المخدرات والجريمة المنظمة، مع بقاء تنفيذ أي إجراء من هذا النوع خاضعا للقانون والضمانات القضائية المعمول بها في الجمهورية الجزائرية.
ويجدر الذكر أن الثكنات القائمة في المناطق الحدودية البعيدة تتميز بتصميمها الهندسي المجهز للظروف القاسية والرقابة المشددة، ما يسهل تحويلها إلى مراكز احتجاز عالية الأمن دون الحاجة إلى إنشاءات جديدة من الصفر.
ويمكن أن تشكل تنزروفت، بما تفرضه من عزلة جغرافية وقسوة مناخية، أحد أشد الخيارات ردعا لمواجهة أشكال الجريمة المنظمة والردع الصارم للبارونات والمروجين، بالنظر إلى الخلفية التاريخية للمنطقة، التي تُعتبر واحدة من أصعب عقبات طرق التجارة القديمة عبر الصحراء الكبرى بين شمال إفريقيا وغربها.
