جزائرية القفطان: الحقائق التاريخية والمرجعية الثقافية
الحديث عن حقيقة القفطان الجزائري تنقلنا إلى زمن سابق وتحديدا إلى الرحلات التجارية والجماعية من آسيا إلى دول المغرب العربي الكبير عن طريق الدولة العثمانية، “القفطان ” هذا الثوب الفضفاض السابغ، مشقوق المقدم والذي يضم في طرفيه حزام، أصل كلمة القفطان تركي وهي كلمة مشتقة من الكلمة الفارسية “خفتان” والتي تعني ثوب من القطن يلبس فوق الدرع أما بالتركية فتعني “جبة بيضاء من القطن”.
كان المماليك والسلاطين يلبسونه على شكل معطف يصل إلى القدمين ويلبس تحته السروال أو الجبة أو الصدرية، لقد كان في البداية حكرا على الرجال قبل أن يتطور بعد ذلك ويصبح لباسا نسائيا أيضا، القفطان الرجالي يشبه القفطان النسائي من حيث الشكل والقماش ولكن يوجد اختلاف في ما يلبس تحته وكذلك في كونه يلبس كفستان من طرف النساء.

الزي الذي يعود أصله الحضارات الفارسية والإمبراطورية العثمانية
تم إنشاء هذه السترة التقليدية عام 1515 في تلمسان، لتنتقل إلى الشرق الأوسط بعد هجرة الشعوب العثمانية للمغرب العربي.
القفطان الجزائري: أحد أنواع الألبسة التقليدية الجزائرية الحاضرة في جميع المناسبات والذي لا يفارق كلا الجنسين، ويعد القفطان النسائي أحد أهم القطع في خزانة المرأة الجزائرية وأحد أساسيات جهاز العروس.
كان مسؤولي الجزائر الأتراك يلبسون القفطان ذو الأكمام العريضة والذي يكون عادة مزين من الأمام “بلعقاد” وبخيوط ذهبية وفضية، بينما كان قفطان النساء يصنع من قماش حريري أو مذهب.
جاء تسجيل القفطان بين منظمات التراث العالمية نسبة الى الجزائر طبقا للمرسوم المسجل عام 2012 في منظمة “اليونيسكو” كثرات غير مادي إذ يعود في أصله الى التاريخ الجزائري العريق، الابتكار الأول لهذا الزي التراثي جاء في القرن الخامس عشر زمن العثمان.
قبل خمسة قرون في الجزائر، كانت الملكة المعروفة بالقديسة ايالة السيدة الجزائرية الأولى التي ارتدته والذي كان السبب في اعتبار منظمة اليونسكو للزي على أنه جزائري الأصل.
ومن أهم أنواع القفطان: قفطان القاضي، قفطان الداي، قفطان البهجة، قفطان الجوهرة، قفطان القرنفلة، قفطان المحيرزات، قفطان الدلالة العنابية، قفطان الشرط العنابي…

شهادات تاريخية عن جزائرية القفطان:
الكاتب والمؤرخ الاسباني “دييغو دي هايدو“:
من بين ما وثق له دي هايدو العادات والتقاليد الجزائرية العريقة وطقوس الزفاف والمناسبات الدينية التي تسبق الكثير من الدول بقرون، مثل القفطان الذي ذكر أنه لباس شائع جدا بين السكان الجزائريين، بالإضافة إلى الحايك والقندورة والبرنوس.. كما تطرق للأكل الجزائري كطواجن البرقوق والسفرجل وكذلك الطمينة وغيرهم من الحلويات.
ذكر أيضا أن الأتراك كانو يتهافتون على الأزياء الجزائرية لما لها من مميزات وجمالية في التصميم والخياطة.
دييغو دي هايدو اضاف “بعض الأتراك أو الإنكشاريين الجدد، القادمين من القسطنطينية الذين لم يملكوا المال لارتداء ملابس على طريقة الموضة الجزائرية، كانوا يرتدون ملابسهم التركية، التي تختلف كثيرا عن اللباس الذي نكتب عنه الآن”
ذكر كل من هذا في كتابه “الطوبوغرافيا والتاريخ العام للجزائر” الذي طبع لأول مرة في مدينة فالافليد شمال إسبانيا عام 1612.

المؤرخ المغربي ادريس بوهليلة:
زي القفطان وصل للمغرب عن طريق الجزائريين حسب شهادة المؤرخ المغربي ادريس بوهليلة الذي ذكر في كتابه “الجزائريون في تطوان خلال القرن 13ه/19م ” الصفحة 127 الفقرة التالية : “بين الشرق و الغرب الشمال والجنوب أزياء جزائرية مختلفة التصميم لكنها اتفقت أن تشكل طابع واللمسة الجزائرية الأصيلة… فالقفطان الجزائري هو لباس عثماني رجالي في الأصل دخل الجزائر وبعدها طورت المرأة الجزائرية فيه وأبدعت فيه وصار قفطانا خاص بالنساء الجزائريات وعند سقوط الجزائر على يد المحتل الفرنسي هاجر الجزائريين الى مدينة تطوان المغربية وبطبيعة الحال أخذوا معهم حرفهم
وعاداتهم وتقاليدهم ومن بينها القفطان الجزائري”.
القفطان الجزائرى ظل محافظاً على أصالته وعراقته عبر المصممين والحرفيين القدامى، الذين طوروا بحذر شديد هذا اللباس بإضافة لمسات جديدة على تصاميمه لما يمثله من إرث حضاري وتاريخي جزائري.

في الأعوام الأخيرة وبعد قيام المصممين الجزائريين بإيصال زي القفطان إلى معارض الأزياء والمحافل الدولية، شهدت صناعة القفطان الجزائري نمواً كبيراً وإقبالاً متزايداً، إذ أن القفطان لا يمثل للجزائر إرثاً حضارياً وتاريخياً فقط، بل أصبح يشكل رافدا مهما لخزينة الدولة ومرجعية ثقافية وتاريخية لشعب أثبت نفسه ثقافيا قبل قرون خلت.

