حين تصبح الكفاءة تهمة!
بقلم الإعلامية في التلفزيون الجزائري حياة عمور
ما الذي يزعج بعض الأصوات في تعيين السيد هشام علالي مديرًا عامًا للمؤسسة العمومية للإذاعة الوطنية؟
هل لأنه لا ينتمي إلى «السيرة المهنية» التي رسموها هم لمدير مؤسسة إعلامية؟ أم لأن مساره السابق كان في مؤسسة الجيش الوطني الشعبي؟
إذا كانت المشكلة هي الثانية، فعلينا أن نتوقف قليلًا أمام هذا السؤال:
هل يصبح الجزائري أقل كفاءة لأنه خدم سنوات في مؤسسة عسكرية؟ وهل يفقد علمه وخبرته وتكوينه بمجرد أن ينتقل إلى مؤسسة مدنية؟
منطق غريب!
في الدول التي تحترم الكفاءات، لا يُسأل الإطار أولًا: من أين أتيت؟ وإنما يُسأل: ماذا تعرف؟ ماذا تستطيع؟ وماذا قدمت؟
والكفاءة لا ترتدي زيًا مدنيًا أو عسكريًا.
فالجيش الوطني الشعبي، مثل مختلف مؤسسات الدولة، يضم كفاءات عالية التكوين في مجالات متعددة: عسكرية، ومدنية، وتقنية، وعلمية، وإدارية، وإعلامية. كما أن كثيرًا من الإطارات المدنية يعملون داخل مؤسسة الجيش، ويقدمون خبراتهم في مجالات تحتاج إليها المؤسسة، ولم يخطر ببال أحد أن وجودهم فيها ينتقص من كفاءتهم أو يجعلهم أقل مدنية.
فلماذا يصبح الأمر، فجأة، مشكلة عندما يحدث العكس؟
إذا كانت الدولة تستعين بالكفاءات المدنية داخل المؤسسة العسكرية، فمن حقها أيضًا أن تستعين بالكفاءات التي تكوّنت داخل المؤسسة العسكرية في مؤسساتها المدنية.
هذه ليست ازدواجية.
هذه هي الدولة الحديثة.
العسكري الذي يغادر الخدمة لا يترك وراءه علمه ولا خبرته ولا تكوينه ولا قدرته على الإدارة. فالتقاعد من المؤسسة العسكرية لا يعني التقاعد من الحياة الوطنية، ولا يعني أن صاحب التجربة أصبح ممنوعًا من خدمة بلده في مؤسسة أخرى.
بل إن التجربة التي يكتسبها الإطار داخل مؤسسة بحجم الجيش الوطني الشعبي يمكن أن تكون رصيدًا مهمًا في الإدارة والانضباط والتخطيط وتحمل المسؤولية، متى وُظفت في المكان المناسب.
ثم إن علينا أن نتذكر شيئًا من تاريخ الإذاعة الجزائرية نفسها.
الإذاعة لم تكن يومًا بعيدة عن معركة الدولة الجزائرية.
في 16 ديسمبر 1956، انطلق صوت الإذاعة السرية الجزائرية في قلب الثورة التحريرية، في زمن كانت فيه الكلمة معركة، والصوت سلاحًا، والإعلام جبهة أخرى من جبهات التحرير.
لقد أدرك قادة الثورة أن مواجهة الاستعمار لا تكون بالبندقية وحدها، وإنما تحتاج أيضًا إلى إعلام قادر على إيصال صوت الثورة إلى الجزائريين والعالم.
وكان عبد الحفيظ بوصوف، أحد قادة الثورة، من أبرز المرتبطين بإنشاء الإذاعة السرية.
أي أن تاريخ الإذاعة الجزائرية نفسه يخبرنا أن معركة الدفاع عن الوطن كانت تحتاج إلى رجال يفهمون قيمة الإعلام والاتصال بقدر ما يفهمون قيمة السلاح.
فلماذا نريد اليوم أن نصنع جدارًا مصطنعًا بين مؤسسة الجيش ومؤسسات الدولة المدنية؟
ولماذا نريد أن نقنع الناس بأن الإطار الذي قضى سنوات في خدمة الجزائر داخل الجيش يفقد فجأة أهليته عندما ينتقل إلى مؤسسة مدنية؟
أما عن هشام علالي، فإن الرجل اليوم على رأس واحدة من أعرق مؤسسات الإعلام العمومي في الجزائر، وقد جاء إلى هذه المسؤولية حاملاً معه تكوينًا علميًا وتجربة مهنية راكمها خلال سنوات خدمته في مؤسسة الجيش الوطني الشعبي.
ومن حقه، مثل أي إطار جزائري، أن تُمنح له فرصة خدمة وطنه في موقع جديد، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والتصنيفات الجاهزة.
أما السؤال عن كونه كان عقيدًا، فليس سؤالًا عن الكفاءة.
إنه سؤال عن الصورة النمطية التي يريد البعض أن يفرضها على الناس.
دعوا الرجل يعمل.
ولا تحاكموا الكفاءة قبل أن تأخذ فرصتها.
فالإنجاز وحده هو الذي يصنع الحكم، لا الخلفية المهنية، ولا الرتبة السابقة، ولا الضجيج الذي يسبق التجربة.
والأخطر من ذلك أن تتحول الخلفية العسكرية إلى وصمة تلاحق كل إطار من إطارات الجيش الوطني الشعبي عندما ينتقل إلى مؤسسة مدنية.
أي رسالة نبعثها بذلك إلى آلاف الإطارات والكفاءات التي خدمت الدولة لسنوات؟
هل نقول لهم: خدمتكم للوطن تنتهي عند بوابة المؤسسة العسكرية؟
بالطبع لا.
فالجزائر لا تُبنى بالمؤسسات المنعزلة عن بعضها، وإنما بتكامل الخبرات وتبادل الكفاءات.
الإطار المدني الذي يخدم في الجيش لا يفقد مدنيته، والإطار العسكري الذي ينتقل إلى مؤسسة مدنية لا يفقد كفاءته.
هذه بديهيات يفترض ألا نحتاج إلى شرحها.
والجيش الوطني الشعبي، باعتباره مؤسسة وطنية، يضم في صفوفه كفاءات جزائرية في مختلف التخصصات، شأنه في ذلك شأن سائر مؤسسات الدولة. وأبناؤه مواطنون جزائريون، وخدمتهم في المؤسسة العسكرية لا تنتقص من حقهم في مواصلة خدمة وطنهم في مواقع ومؤسسات أخرى.
ومن خدم الجزائر في الجيش لا يصبح أقل جزائرية عندما يخدمها في الإذاعة أو الجامعة أو الإدارة أو أي مؤسسة وطنية أخرى.
أما أن يكون كونه عقيدًا متقاعدًا هو التهمة الوحيدة، فهذه ليست معركة من أجل الإعلام.
هذه معركة ضد فكرة الكفاءة نفسها.
وفي النهاية، يجب أن يكون معيارنا بسيطًا وواضحًا:
الكفاءة أولًا… والكفاءة أخيرًا… والجزائر فوق الجميع.
المقال لايعبر سوى عن رأي كاتبه
