رغم طلب 14 دولة.. لهذا لن ينجح الاتحاد الأوربي في تشكيل جيشه الخاص
أعاد الانسحاب الفوضوي للقوات الأميركية من أفغانستان إحياء نقاش دام قرابة ثلاثة عقود داخل الاتحاد الأوروبي حول أهمية إنشاء جيش خاص بالتكتل لاستخدامه في الأزمات الخارجية.
وفي 5 مايو/أيار 2021 نقلت وكالة رويترز البريطانية عن مسؤول كبير في الاتحاد الأوروبي قوله إن 14 دولة بالاتحاد اقترحت قوة تدخل عسكري سريع للتدخل المبكر في الأزمات الدولية.
هذه الدول هي “ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا واليونان وأيرلندا والنمسا والتشيك وسلوفينيا ولوكسمبورغ وقبرص”.
وأشار المسؤول الذي لم يكشف عن اسمه، إلى أن تلك الدول تشدد على أن الاتحاد عليه إنشاء قوة من 5 آلاف جندي وتزويدها بالسفن والطائرات لمساعدة الحكومات الأجنبية الديمقراطية التي تحتاج إلى مساعدة عاجلة.
ويرى البعض أن القوة القتالية التي جرى إنشاؤها في عام 2007 وقوامها 1500 فرد للاستجابة للأزمات، ولم يتم استخدامها إطلاقا، يمكن أن تشكل النواة لما يسمى بقوة التدخل الأولى التي يفكر بعض القادة الأوروبيين في تشكيلها.
فشل ذريع
لم يتوقف الأمر عند التصريحات، حيث ناقش مسؤولون بالاتحاد الأوروبي في الثاني من سبتمبر/أيلول 2021 سبل تحسين الاستجابة للأزمات المستقبلية وعدم الاعتماد على الولايات المتحدة بسبب العيوب التي ظهرت في أفغانستان.
وفي أعقاب المحادثات التي جرت في سلوفينيا بين وزراء دفاع الاتحاد والتي شارك فيها مسؤولون في منظمة حلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة، قال وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل: “أظهرت أفغانستان أن النقص في استقلالنا الإستراتيجي له ثمن، وأن السبيل الوحيد للمضي قدما هو توحيد قوانا وتعزيز قدرتنا وإرادتنا للعمل”.
ونقلت صحيفة واشنطن بوست الأميركية تصريحات لمسؤول في الاتحاد الأوروبي مطلع على المناقشات الوزارية أكد فيها وجود إجماع عام بين وزراء الدفاع الأوروبيين على الاعتراف بالفشل الذريع الذي أعقب انسحاب القوات الغربية من أفغانستان.

وخلال اجتماعهم، ناقش وزراء الدفاع الخطط الخاصة بما يسمى بالبوصلة الإستراتيجية وهي وثيقة تهدف إلى تنسيق إدارة الأزمات وتحديد الطموحات الدفاعية للكتلة المتوقع صياغتها قبل نهاية العام 2021 على أن يتم اعتمادها في مارس/آذار 2022.
ولم يبتعد رئيس اللجنة العسكرية للاتحاد الأوروبي الجنرال كلاوديو غرازيانو كثيرا عن تصريحات بوريل وأكد أن الوضع الاستراتيجي والتغييرات الجيوستراتيجية، أظهرت الحاجة إلى أوروبا أقوى.
وبين أن الوقت قد حان “لإنشاء قوة أوروبية للتدخل السريع قادرة على إظهار إرادة الاتحاد الأوروبي للعمل كشريك استراتيجي عالمي، وإذا لم يكن الآن، فسيكون متأخرا في وقت لاحق”.
من جانبه اعتبر الكاتب الصحفي في وكالة أسوشيتد برس الأميركية صموئيل بيتريكين أن إيجاد توافق في الآراء بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة على إنشاء مثل هذه القوة الاحتياطية ليس بالمهمة السهلة.
وأوضح في الثاني من سبتمبر/أيلول 2021 أنه غالبا ما تعارض الدول الأوروبية الواقعة على الحدود مع روسيا فكرة الحكم الذاتي، وضرب مثالا على ذلك ببولندا ودول البلطيق.
وأضاف: “ألمانيا ذات الوزن الثقيل في الاتحاد الأوروبي هي أيضا داعم قوي لاستخدام الناتو (حلف شمال الأطلسي) في العمليات الأمنية والحفاظ على مظلة الدفاع الأميركية في أوروبا”.
وللموافقة على أي قرار داخل الاتحاد الأوروبي يجب أن يحصل المقترح المعروض للنقاش على إجماع الدول الـ 27 ولا يمكن تنفيذه برفض أي من دوله.
ونقل موقع “فرانس 24” تصريحات لريتشارد ويتمان أستاذ السياسة والعلاقات الدولية ذهب فيها إلى أنه “سيكون من الصعب إقناع بعض الدول الأعضاء بأن الدفاع الجماعي للاتحاد الأوروبي من شأنه أن يجلب نفس الأمن والترتيبات الدفاعية لحلف الناتو المدعومة من الولايات المتحدة”.
وأوضح ويتمان في الثاني من سبتمبر / أيلول 2021 أن هناك الكثير من الخلاف داخل الاتحاد الأوروبي حول الدول المحيطة به التي تشكل تهديدا حيث تمثل روسيا على سبيل المثال تهديدا وجوديا في أعين دول البلطيق، ومصدر إزعاج جيوسياسي، لكنها شريك طاقة رئيسي لألمانيا، وحليف للمجر.
موقف الناتو
الخطوة الأوروبية أثارت تخوفات واسعة لدى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبيرغ واعتبر أن إنشاء مثل هذه القوة قد يؤدي إلى تقسيم الاتحاد الأوروبي وإضعاف حلف الناتو.
وخلال تصريحات صحفية في 5 سبتمبر/أيلول 2021 رحب ستولتنبرغ بالجهود الأوروبية في المجال الدفاعي لكنه أكد أن شيئا مماثلا لن يحل محل الحلف.
وأشار إلى أن 80 بالمئة من التكاليف الدفاعية للناتو تأتي من الحلفاء غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وتوصلت دراسة لمركز التقدم الأميركي للباحثين ماكس بيرجمان، وجيمس لاموند، وسيينا سيكاريللي، إلى أن دفاع الناتو والاتحاد الأوروبي ليسوا كما يصور البعض أنهما غير متوافقين.
وقالت الدراسة المنشورة مطلع يونيو/حزيران 2021 إن دعم دفاع الاتحاد الأوروبي لا يعني تفضيله على الناتو، هذه فرضية خاطئة.
وبينت أن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي “ليست منظمات متعارضة، هم في الواقع مرتبطون بشكل أساسي”.
ولفتت إلى أن افتقار الاتحاد الأوروبي إلى القوة الصارمة والضعف العام للقوة العسكرية لأوروبا قلل من نفوذ أوروبا عالميا.
وهو ما ترافق مع عدم إحراز تقدم في الدفاع عن التكتل الأوروبي جنبا إلى جنب مع عدم إحراز تقدم في تطوير سياسة خارجية أوروبية أقوى وأكثر تماسكًا.
وأضافت الدراسة: “اليوم، لا تزال أوروبا تعتمد على الجيش الأميركي لضمان الأمن الأوروبي، ولكي يصبح الاتحاد الأوروبي لاعبا عالميا أقوى وبالتالي شريكا أكثر قدرة للولايات المتحدة، سيحتاج إلى تطوير قدراته العسكرية القوية”.
وأشارت إلى وجود تخوفات لدى المعارضة الأميركية من أن يصبح الاتحاد الأوروبي قوي ويحل محل الناتو ويصبح شوكة في خاصرة الولايات المتحدة.
وبينت أنه إذا أصبح التكتل الأوروبي وأميركا متنافسين فسيكون حلف الناتو قد عفا عليه الزمن لأنه سينقسم على نفسه.
لكن الدراسة اعتبرت أن مثل هذه السيناريوهات خيالية ولو حدثت فلن تكون نتيجة تطوير الاتحاد الأوروبي لقدرته الدفاعية، بل نتيجة انهيار دبلوماسي هائل، وأن مثل هذا الانهيار غير مرجح إلى حد كبير، وأنه ينبغي على السياسة الخارجية للولايات المتحدة أن تفعل كل ما في وسعها لتجنب هذا السيناريو.
وترى صحيفة واشنطن بوست الأميركية أن الموضوع مثير للجدل خاصة وأن الجغرافيا السياسية مشحونة، وأن احتمال طرح الاتحاد الأوروبي القائم بذاته العسكرية في أي وقت قريب غير واقعي.
واستدركت الصحيفة في تقرير لها في 4 سبتمبر/أيلول 2021: “لكن الصخب الذي خمد إلى حد ما بعد انتخاب الرئيس الأميركي جو بايدن تصاعد مرة أخرى بعد رفض الأخير تمديد بقاء القوات الأميركية في أفغانستان”.
فهو لم يترك للقادة الأوروبيين أي خيار سوى قطع عمليات الإجلاء تاركين وراءهم الآلاف من مواطنيهم والحلفاء الأفغان.
واستخدمت الولايات المتحدة حق “الفيتو” أمام المطالبات الأوروبية بتمديد وجود القوات الأجنبية في أفغانستان بعد 31 أغسطس/ آب 2021 وهو ما جعل القادة الأوروبيين يشعرون بالعجز أمام واشنطن.
إرادة ضعيفة
لا يبدو أن الاتحاد الأوروبي سيتحرك بسرعة لتعزيز قدراته العسكرية في أعقاب الانسحاب المحموم من أفغانستان الذي ترك البعض يصر على أن أوروبا بحاجة إلى الوقوف بشكل أفضل بمفردها، بحسب الكاتب والمحلل بصحيفة بوليتيكو الأميركية جاكوبو باريغاتزي.
وقال باريغاتزي في مقال بالثاني من سبتمبر/أيلول 2021: “في اجتماع وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي، وهو الأول منذ خروج القوات الغربية بالكامل من أفغانستان، لم تكن هناك إرادة سياسية كافية لتقديم أي وعود بشأن تغيير الموقف العسكري للكتلة بشكل كبير”.
وهذا على الرغم من إصرار العديد من الدول على أن أوروبا لا يمكنها الاستمرار في الاعتماد على الولايات المتحدة.
وأشار باريغاتزي إلى سجل الاتحاد الأوروبي الضعيف في تطوير القوات العسكرية المشتركة وضرب مثالا على ذلك بالاتفاقية التي أبرمتها الكتلة في عام 1999 لتطوير قوة عسكرية قوامها ما بين 50 إلى 60 ألف جندي بحلول عام 2003 وهو التزام لم يتحقق أبدا.
بالإضافة إلى وجود ما يسمى بمجموعات القتال، وتتألف من 1500 جندي، لم يتم نشرها أو استخدامها مطلقا.
واعتبر باريغاتزي أن هناك فرصة لمجموعة أصغر من البلدان أطلق عليها “تحالف الراغبين” بأن تمضي قدما بدون الكتلة.
وهو ما يؤدي بشكل أساسي إلى كسر الجمود الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي.

ويرى مدير معهد نيولاينز للإستراتيجيات والسياسات، عظيم إبراهيم، أن أحد أهم العوائق الرئيسية أمام القوة الأوروبية المشتركة أو حتى التوصل إلى إستراتيجية أمنية منسقة هو مطلب الاتحاد الأوروبي بأن تتخذ الدول الأعضاء قرارات السياسة الخارجية بالإجماع.
واعتبر أن هذا الشرط أدى إلى توقف عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي.
وقال إبراهيم في حديث مع “واشنطن بوست” إنه حتى لو تمكنت الدول الأوروبية من إنشاء هذه القوة “فإن احتمال موافقة جميع البلدان بالإجماع على مسار عمل معين أمر مستحيل عمليا”.
ورغم تخصيص الاتحاد أكثر من 9 مليارات دولار لصندوق الدفاع الأوروبي حتى عام 2027، فإن سؤالا آخر يدور حول تمويل إنشاء تلك القوة.
وبحسب واشنطن بوست فإن الخبراء يقولون إن الدول الفردية ستحتاج أيضا إلى زيادة إنفاقها.
وقد يكون هذا تحديا بالنظر إلى أن تسع دول أوروبية فقط في طريقها لإنفاق ما لا يقل عن 2 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع خلال العام 2021، والوفاء باتفاقية الناتو.
