رغم كل شيء… الجزائر تستقبل البابا ليون الرابع عشر في لحظة تتجاوز الضجيج
رغم كل محاولات التشويش، ورغم ضجيج حملات لا تُخفي انزعاجها من أي تقارب بين ضفتي المتوسط، تستعد الجزائر غدا لاستقبال بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، في زيارة لا يمكن اختزالها في بعدها البروتوكولي، بل تتجاوزه إلى رمزية أعمق تتعلق بالحوار بين الحضارات والأديان.

هذه ليست زيارة عادية، بل لحظة سياسية وروحية في آن واحد، تعيد التأكيد على أن الجزائر، رغم كل الضجيج الخارجي، تظل قادرة على فرض حضورها كفاعل إقليمي لا يُملى عليه مسار ولا تُرسم له بوصلته من خارج حدوده. إنها بلد يملك قراره، ويعرف كيف يدير انفتاحه دون أن يتنازل عن سيادته أو رمزيته التاريخية.
إن الفاتيكان، بصفته مرجعية روحية عالمية، لا يتحرك في فراغ، وزيارة البابا إلى الجزائر تحمل دلالة واضحة: هناك مساحات في العالم لا تزال قادرة على إنتاج خطاب العقل في زمن تتكاثر فيه خطابات التوتر والانقسام. ومن غير الممكن تجاهل أن الجزائر، بتاريخها العميق وامتدادها الحضاري في شمال إفريقيا، تمثل أحد هذه الفضاءات.

وتحضر هنا رمزية القديس أوغسطينوس، ابن طاغاست (سوق أهراس)، الذي شكّل عبر التاريخ أحد أعمدة الفكر الديني والفلسفي في الغرب المسيحي، بما يجعل من هذه الأرض نقطة التقاء لا صدام، وجسرًا لا حاجزا.
لكن ما يقلق بعض الأطراف ليس الزيارة في حد ذاتها، بل ما تمثله من كسر لخطاب قديم اعتاد النظر إلى المنطقة بعين الشك والوصاية. لذلك تُستدعى كل أشكال التشويش كلما تحركت عجلة التقارب، وكأن أي خطوة نحو الحوار تعد تهديدا لمنطق الاحتكار السياسي والإعلامي.
ومع ذلك، تمضي الجزائر في مسارها بثقة، مدركة أن صورتها لا تُرسم في الخارج، بل تُبنى من الداخل، وأن استقبالها لشخصية دينية عالمية بحجم بابا الفاتيكان هو تأكيد على اختيارها الواضح: الانفتاح دون تبعية، والحوار دون تنازل، والسيادة دون عزلة.
وفي كل الأحوال، الجزائر تقول كلمتها بطريقتها “الأرض التي تصنع التاريخ لا تلتفت كثيرا إلى صخب العابرين“.
