زيارة البابا إلى الجزائر.. بين الرمزية الدينية وبناء القوة الناعمة للدولة
آمنة عروي
يشهد الإعلام الدولي تغطية مكثفة لزيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر، غير أن هذا الحضور الإعلامي لا يمكن اختزاله في كونه متابعة لحدث ديني أو بروتوكولي، بل يتجاوز ذلك ليعكس تحولا أعمق في طريقة اشتغال الدولة على صورتها الخارجية.
فنحن أمام لحظة يمكن توصيفها باعتبارها عملية ترويج سيادي معقدة، تُدار فيها الرمزية الدينية والتاريخية والسياسية ضمن رؤية واحدة، هدفها إعادة تشكيل موقع الجزائر في المخيال الدولي وتعزيز حضورها كفاعل مؤثر على الساحة العالمية.
في هذا السياق، لا تعود الزيارة مجرد حدث يُغطّى إعلاميا، بل تتحول إلى أداة ضمن منظومة العلاقات الدولية الحديثة المعروفة بـ”Nation Branding”، أي بناء صورة الدولة كعلامة قادرة على التأثير في الفضاءات السياسية والاقتصادية والرمزية عالميا.
وتسعى الجزائر من خلال هذه اللحظة إلى تقديم نفسها ليس فقط كدولة غنية بالموارد، بل كفضاء حضاري متنوع، تتقاطع فيه الذاكرة التاريخية مع العمق الجغرافي والانتماء المتوسطي، بما يعزز صورتها كجسر للتواصل بين الثقافات.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه المقاربة في إعادة صياغة هوية الدولة خارجيا، من نموذج يختزل غالبا في الطاقة والموارد، إلى نموذج يقوم على إنتاج المعنى، من خلال سردية متماسكة حول التعايش والوساطة الرمزية والعمق التاريخي.
كما أن البعد الروحي للزيارة لا يعد تفصيلا ثانويا، بل يشكل مدخلا لتعزيز صورة الجزائر كفضاء حضاري قادر على استيعاب التعدد، وتقديم نموذج للتوازن بين الخصوصية والانفتاح.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحضور الإعلامي الدولي لا تقاس بزخمه اللحظي فقط، بل بمدى قدرة الدولة على تحويله إلى سياسات ثقافية واقتصادية وسياحية مستدامة، قادرة على تحويل الصورة إلى أثر طويل المدى.
فمن دون هذا التحول البنيوي، يظل مفهوم “بناء صورة الدولة” مجرد لحظة إعلامية عابرة، لا ترقى إلى مستوى التأثير الاستراتيجي في موازين القوة الناعمة.
ومن هنا، تتحول زيارة البابا إلى اختبار مزدوج للجزائر.. اختبار لقدرتها على إدارة رمزيتها الدولية، واختبار لمدى قدرتها على تحويل هذا الرمز إلى رافعة استراتيجية تعزز موقعها في الفضاء المتوسطي والدولي.
