المخزن يستهدف الجزائر بصفحات تحمل أسماء مناطق جزائرية!
برزت في السنوات الأخيرة، على منصات التواصل الاجتماعي، صفحات تحمل أسماء لولايات ومناطق جزائرية، تقدم نفسها في كثير من الأحيان باعتبارها منصات محلية تهتم بانشغالات المواطنين وتنقل أخبار المناطق وتتابع الأحداث اليومية.
ورغم الأهمية التي تكتسيها هذه الصفحات في إيصال صوت الشعب وانشغالاته، تبقى البعض هذه الصفحات مُثيرة للتساؤلات حول الجهات التي تقف وراء إدارتها، ومكان وجود القائمين عليها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من خلال المحتوى الذي تقدمه.
استغلال النقائص لخلق الشكوك !
إن الحديث عن المشاكل والعراقيل التي يواجهها المواطن، ليس أمرا سلبيا في حد ذاته بل إن الإعلام المحلي وصفحات التواصل يمكن أن تلعب دورا مهما في نقل انشغالات المواطنين وإيصالها إلى المسؤولين بهدف الوصول إلى الحلول، غير أن الخط الفاصل بين النقد البناء والتوظيف السلبي للنقائص يبدأ عندما يصبح إبراز النقائص هدفا قائما بذاته، وعندما تختفي من الصورة كل الوقائع الأخرى.
كما أن الصفحة التي تنشر عشرات المنشورات حول الحوادث، والأزمات، والفضائح، والفشل، ونقص الخدمات، ثم تعيد تقديم هذه الوقائع بصورة متكررة، قد تخلق لدى المتابع مع مرور الوقت انطباعا بأن المنطقة لا تعرف سوى الأزمات، حتى وإن كانت الصورة الواقعية تقول عكس ذلك تماما.
صناعة الانطباع أهم من الخبر
إذا كانت هناك عشرات الأحداث اليومية الإيجابية والسلبية في مدينة ما، وكانت هذه الحسابات التي تُدار من المغرب، الكيان المحتل، ودويلة الإمارات، تختار بشكل شبه حصري الأحداث السلبية فقط، بل وتروج الإشاعات والأكاذيب والأخبار المزيفة، فإن المتابع سيتلقى في نهاية المطاف صورة عن الواقع الذي يريدونه، لخلق الشك لديه ودفعه نحو التحرك خدمة لأجنداتهم.
حيث تركز هذه الصفحات على حادث واحد، أو مشكلة في قطاع ما، لتصبح دليلا على فشل شامل، وتصرف فردي يتحول إلى صورة عن مجتمع بأكمله، ومع تكرار الرسائل نفسها، يمكن أن يتحول الانطباع لدى المتلقي إلى قناعة.
لماذا أسماء الولايات والمناطق الجزائرية؟
إن اختيار أسماء جزائرية محلية لهذه الصفحات ليس مسألة عابرة، فالاسم يمنح الصفحة هوية وقربا من الجمهور، قد يجعل المواطن يتلقى الأخبار والمعلومات دون وعي وتحري، باعتبار أن الصفحة تحمل اسم ولايته أو بلديته، ويتعامل معها باعتبارها مصدرا قريبا من حياته اليومية، وهذا القرب يزيد من خطورة هذه الصفحات وقدرتها على جذب المتابعين والتفاعل معهم.
كما أن المحتوى المحلي يوفر مادة غنية، صور الشوارع، مشاكل الأحياء، شكاوى المواطنين، الحوادث، الأسعار، النقل، المستشفيات، المدارس وغيرها، ومن خلال هذه التفاصيل، تستطيع الصفحة بناء جمهور واسع ومخلص، حتى من دون أن يعرف هذا الجمهور بوضوح من يقف خلفها أو أين تُدار.
ولعل من أبرز الوسائل التي يعتمدها من يدير هذه الصفحات ” الخبيثة “، هو توليد الصور والفيديوهات، عبر مواقع الذكاء الإصطناعي، والعمل على ترويجها لأوسع نطاق ممكن، بهدف خلق التأثير المرغوب في الجمهور الجزائري.

العلاج في طرح السؤال: من يدير الصفحة؟
تحمل الصورة السابقة، اسم صفحة محلية تهتم في ظاهرها بأخبار ولاية ” بومرداس” الجزائرية، لكن التحقق يوضح بأنها صفحة تُدار من المغرب، وتنشر أكاذيب وأخبار مغلوطة، الهدف منها المساس بالجزائر، وبأمنها الغذائي كما هو موضح في المنشور.
وعليه، يتوجب على المواطن الجزائري، أن يتحرى مصادر تلقيه للمعلومة بعناية فائقة، وأن يطرح السؤال: ” من يدير الصفحة ”؟ بشكل مستمر قبل أن يثق في هذا النوع من الصفحات التي باتت تشهد انتشارا واسعا في الوسط الرقمي.
قد تتعمد بعض الصفحات المخزنية، التي تحمل أسماء مناطق جزائرية، من إبراز منشوراتها التهكمية تجاه كل ما هو جزائري، لكن هذا الأمر لا يعني بالضرورة، أنها لا تشكل خطرا على الجزائريين، بإعتبار أنها تنشر الأخبار المغلوطة، وسط الكم الكبير من “المنشورات التي تبدو بأنها ساخرة”، وعليه فإنها تحتاج للقليل من الفطنة من المتلقي لافشال مخططاتها.
إن الفضاء الرقمي أصبح جزءا أساسيا من تشكيل الرأي العام، ولذلك لم يعد السؤال الأهم: ماذا تنشر هذه الصفحات؟ بل أصبحت الأهمية مقرونة بـ : من يديرها، ولماذا تختار هذا النوع من المحتوى، وكيف تبني علاقتها بجمهورها؟
إن كانت هناك نقائص ومشاكل في الجزائر على غرار غيرها من البلدان، فمن واجب الإعلام والمواطنين كشفها ومناقشتها والمطالبة بمعالجتها، لكن تحويل كل نقائص المجتمع إلى مادة يومية لصناعة الإحباط والشك يمثل ظاهرة مختلفة تستحق الحذر وصناعة الوعي اللازم للتصدي لها.
إن المعركة الحقيقية في هذا المقام، تقام بين المعلومة الموثوقة والمعلومة الموجهة، وبين النقد المسؤول وصناعة الانطباع، وبين المواطن الذي يحقق قبل أن يصدق والمستخدم الذي يشارك قبل أن يسأل.
