ماذا يعني استدعاء إسبانيا للسفير المغربي على خلفية تصريحاته بشأن سبتة ومليلية؟
لا يبدو استدعاء إسبانيا للسفير المغربي في مدريد على خلفية تصريحات مسؤولين مغاربة بشأن سبتة ومليلية مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل يحمل في طياته رسالة سياسية واضحة مفادها أن مدريد تعتبر مسألة السيادة على المدينتين من القضايا التي تقع ضمن دائرة الأمن القومي الإسباني، وأنها غير مستعدة لفتح نقاش سياسي حول وضعهما.
وتأتي هذه الخطوة في سياق حساس بعد أزمة التدفقات الجماعية للمهاجرين المغاربة إلى سبتة، وما رافقها من جدل سياسي وأمني وقانوني داخل إسبانيا بشأن ملابسات تلك الأحداث ودور السلطات المغربية فيها.
وبالتالي، فإن الجمع بين ملف الهجرة وملف السيادة على سبتة ومليلية يجعل التطور الحالي يتجاوز مجرد سجال إعلامي بين مدريد والرباط، خاصة بعدما أكدت الشرطة الإسبانية، أن تدفق المغاربة نحو سبتة كان منسقا من أفراد الأجهزة الأمنية المغربية ولم يكن حدثا عفويا مرتبطا بتحريف حكم المحكمة العليا والحدود البحرية للمدينة الذي نص على أن كل مهاجر وصل سباحة إلى مياه إسبانيا لايمكن طرده مباشرة.
استدعاء السفير: رسالة احتجاج أم هي تذكير بالخطوط الحمراء؟
في الأعراف الدبلوماسية، يمثل استدعاء سفير دولة أجنبية للاحتجاج على تصريحات أو مواقف صادرة عن مسؤولين في بلده رسالة أكثر جدية من مجرد الرد عبر وسائل الإعلام أو إصدار بيانات رسمية، ففي
هذه الحالة تبدو الرسالة الأساسية الموجهة إلى الرباط بشأن مسألة سبتة ومليلية، على أنها تقع خارج دائرة التفاوض بين مدريد والرباط، وهو ما فسرته اللهجة الحازمة التي استخدمها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عندما أكد أن المدينتين إسبانيتان وأنهما ستبقيان كذلك، بالتوازي مع تأكيد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن مدريد لا تعتزم التفاوض بشأن سيادتها عليهما.
الهجرة… الحلقة التي أعادت الأزمة إلى الواجهة:
إن التدفقات الجماعية الأخيرة للمهاجرين المغاربة نحو مدينة سبة، أعادت إلى السطح سؤالا حساسا بالنسبة لإسبانيا يتعلق بمدى إمكانية تحول ملف الهجرة غير الشرعية، إلى وسيلة ضغط في العلاقات بين الرباط ومدريد.
ومن منظور أوسع، تكشف الأزمة عن مشكلة تتجاوز إسبانيا والمغرب، وهي خطر تحول الهجرة غير النظامية من قضية إنسانية وأمنية إلى أداة للضغط السياسي والتفاوض الجيوسياسي، وهو ما دفع إسبانيا إلى تشديد اللهجة في ردها على تصريحات السفير المغربي.
لماذا جاءت لهجة سانشيز بهذه القوة؟
إن التشدد في خطاب السيادة يسمح للحكومة الإسبانية بإرسال رسالة مفادها أنها لا تقدم تنازلات بشأن الأراضي التي تعتبرها إسبانية، من خلال إعادة ضبط قواعد العلاقات وتحديد حدود المسائل التي يمكن و لا يمكن النقاش حولها.
وتكمن أهمية سبتة ومليلية في موقعهما الجغرافي والاستراتيجي، فالمدينتان تقعان على الساحل الشمالي لإفريقيا، بينما تعتبرهما إسبانيا جزءا من أراضيها، وعليه فإن أي نقاش حول المدينتين لا يرتبط فقط بالتاريخ أو الجغرافيا، وإنما يتصل أيضا بالأمن الأوروبي والمتوسطي وبالتوازنات الجيوسياسية في غرب المتوسط.
ومن هنا، فإن استدعاء السفير المغربي يمكن فهمه أنه جاء كرد إسباني صارم، لمنع تحول التصريحات المغربية إلى مسار سياسي منظم قد يفرض النقاش مستقبلا حول وضع المدينتين، بإعتبار أن خطورة الملف، تكمن في أن إعتماد المخزن على ملف الهجرة يمكن أن يجعل كل أزمة أمنية أو موجة هجرة جديدة مُناسبة لإعادة فتح الخلاف السياسي وخلق أزمة سياسية في المنطقة.
إن استدعاء إسبانيا للسفير المغربي لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد رد فعل على تصريحين سياسيين، وإنما باعتباره إشارة دبلوماسية قوية إلى أن مدريد تعيد تحديد حدود العلاقة مع الرباط وفق الأحداث والمواقف التي شغلت الرأي العام الإسباني مؤخرا، وضع العلاقة بين الطرفين في الحجم والإطار المناسب.
