ماذا يقصد الرئيس تبون بالأبيات الشعرية ؟
«علّمته الرماية كل يومٍ.. فلمّا اشتدّ ساعده رماني»
ربما لا توجد عبارة تختصر مفارقة العلاقات أكثر من هذه الأبيات التي اختارها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في ختام لقائه الدوري مع الصحافة الوطنية.
فخلف الأبيات قصة جزائرية قديمة، اسمها محمود حمرا كروها، أحد الكفاءات الجزائرية التي انتقلت إلى أبوظبي في مرحلة تأسيس وتطوير قطاعها النفطي، حاملة معها خبرة سوناطراك والمدرسة الجزائرية في تسيير المحروقات.
في سبعينيات القرن الماضي، أُسند إلى حمرا كروها دور قيادي في شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، بعد إيفاد خبرات جزائرية إلى أبوظبي. وتشير مصادر تاريخية إلى أن حمرا كروها كان مديرا عاما لأدنوك في تلك المرحلة، وعمل على إعادة تنظيمها والاستفادة من الخبرة الجزائرية وتدعيمها بالكفاءات.
أي أن الجزائر لم تكتف يومها بالنظر إلى ثروة شقيقة في الخليج، بل صدرت إليها المعرفة والخبرة والكفاءات في وقت كانت فيه الدولة الإماراتية الحديثة تبحث عن بناء مؤسساتها النفطية.
ومع مرور السنوات، تحولت أبوظبي إلى قوة نفطية ومالية عالمية، وأصبحت «أدنوك» من أكبر شركات الطاقة في العالم. لكن اسم الكفاءة الجزائرية التي ارتبطت بمرحلة مبكرة من بناء الشركة بقي، بحسب تقارير جزائرية حديثة، بعيدا عن الحضور الذي يوازي حجم ذلك الدور.
وهنا تصبح حكاية حمرا كروها أكثر من مجرد قصة رجل جزائري عاش في أبوظبي؛ إنها صفحة من تاريخ الجزائر التي كانت تمد يدها بالخبرة والكفاءة إلى الأشقاء، دون أن تجعل من ذلك ورقة ابتزاز أو منة سياسية.
لكن الجزائر التي ساعدت بالأمس ليست الجزائر التي يمكن الضغط عليها اليوم.
وهنا تأتي دلالة خطاب الرئيس عبد المجيد تبون.
فالجزائر، في تصور السلطة التنفيذية، دولة تملك مواردها وقرارها وسيادتها، ولا تقبل أن تتحول علاقاتها الاقتصادية أو التاريخية إلى مدخل للتأثير في قرارها السياسي.
وفي ملف النفط تحديدا، شدد تبون على مسؤولية الجزائر داخل سوق الطاقة، وعلى تمسكها بقرارها ومصالحها، في وقت تتقاطع فيه مصالح المنتجين وتشتد المنافسة على النفوذ في أسواق الطاقة.
لذلك، فإن استحضار أبيات «علمته الرماية» في هذا التوقيت يفتح بابا واسعا للتأويل السياسي، خصوصا مع التوتر الذي بلغ حد القطيعة الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات في سبتمبر 2026.
لكن الأهم من تحديد الجهة التي قصدها الرئيس تحديدا هو الرسالة التي يمكن قراءتها من سياق حديثه:
الجزائر لا تنسى تاريخها، ولا تتنازل عن سيادتها، ولا تسمح بأن تتحول مساعداتها القديمة إلى نقطة ضعف في حاضرها.
ومن بومدين الذي أرسل الخبرة الجزائرية إلى أبوظبي، إلى الرئيس تبون الذي يؤكد اليوم استقلالية القرار الجزائري، تبدو الرسالة واحدة:
الجزائر تساعد من موقع الدولة.. لكنها لا تقبل أن تدفع ثمنا لمساعدتها.
وإذا كان التاريخ قد حفظ أسماء من استفادوا من الخبرة الجزائرية، فإن ذاكرة الجزائريين تحفظ أيضا اسم محمود حمرا كروها؛ الرجل الذي حمل خبرة بلاده إلى الخليج، وأسهم في بناء مرحلة مهمة من الصناعة النفطية الإماراتية.
أما الجزائر اليوم، فتقول بوضوح: العلاقات تبنى على الاحترام المتبادل، والسيادة ليست قابلة للتفاوض.
