من الجزائر… صوت البابا يدعو العالم إلى الرحمة والعدالة في زمن الأزمات
في لحظة تاريخية تعكس عمق الرمزية الروحية والسياسية لزيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر، ألقى البابا ليون الرابع عشر كلمة مؤثرة أمام رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وأعضاء السلك الدبلوماسي، حملت في طياتها دعوة صريحة إلى إرساء قيم الرحمة والعدالة والتضامن في عالم يواجه تحديات متزايدة.
استهل البابا كلمته بتأكيد مبدأ جوهري في الرؤية الإنسانية للدين، مشددًا على أن الدين الذي يخلو من الرحمة، والمجتمع الذي يفتقد إلى التضامن، يمثلان خللًا أخلاقيًا عميقًا، بل “فضيحة” في ميزان القيم الإلهية. وبهذا الطرح، وضع الأساس لخطاب يدعو إلى إعادة الاعتبار للإنسان كقيمة مركزية في كل السياسات والتوجهات.
وفي سياق تشخيصه للوضع العالمي، أشار البابا إلى أن العالم ينزلق تدريجيًا نحو مزيد من عدم المساواة والإقصاء، محذرًا من خطورة الهيمنة التي تمارسها بعض القوى، والتي تسهم في تدمير التوازن الذي أراده الله للبشرية. وأبرز في هذا الإطار وعي القارة الإفريقية، والجزائر تحديدًا، بهذه التحديات، بالنظر إلى ما عاشته من تجارب تاريخية صعبة أكسبتها رؤية ثاقبة بشأن اختلالات ميزان القوى عالميًا.
كما نوّه البابا بالدور الذي يمكن أن تضطلع به الجزائر، بفضل إدراكها العميق لمعاناة الشعوب، سواء القريبة أو البعيدة، في الإسهام ببناء عالم أكثر عدلاً. وأكد أن احترام كرامة الإنسان، والتفاعل الصادق مع آلام الآخرين، يمثلان المدخل الحقيقي لتجاوز الصراعات وسوء الفهم، وفتح آفاق جديدة لصناعة تاريخ إنساني مشترك يقوم على التعاون لا التنازع.
وفي تحليله للواقع الدولي، تطرق البابا إلى التحديات المرتبطة بانتهاك القانون الدولي وعودة النزعات الاستعمارية في أشكال جديدة، مستحضرًا مواقف سابقيه من بابوات الفاتيكان. وأشار إلى أن البابا بنديكتوس السادس عشر كان قد نبّه إلى أن العولمة يمكن أن تكون فرصة لإعادة توزيع الثروات بشكل عادل، إذا أُحسن توجيهها، لكنها قد تتحول إلى عامل لتعميق الفوارق والأزمات إذا أسيء استخدامها.
كما استحضر البابا رؤية البابا فرنسيس، الذي شدد على أهمية فهم الواقع انطلاقًا من “الأطراف” وليس من مراكز القرار الكبرى، مؤكدًا أن بناء نموذج عالمي أكثر عدلاً يمر عبر إشراك الحركات الشعبية وتعزيز الحوكمة على مختلف المستويات، بما يضمن مشاركة أوسع وعدالة أكثر شمولًا.
وفي ختام كلمته، وجّه البابا دعوة مباشرة إلى المسؤولين في الجزائر للعمل على ترسيخ مجتمع مدني حيوي، حرّ وديناميكي، يفسح المجال أمام جميع فئاته، وخاصة الشباب، للمساهمة في بناء مستقبل مشترك قائم على الأمل. وأكد أن تمكين الشباب والاعتراف بقدراتهم هو السبيل نحو توسيع آفاق التنمية وترسيخ قيم السلام والتعايش.
بهذه الرسائل العميقة، لم تكن كلمة بابا الفاتيكان مجرد خطاب بروتوكولي، بل شكلت رؤية متكاملة لعالم أكثر إنسانية، تنطلق من الجزائر كأرض للتسامح، وتتجه نحو مستقبل تتقاسم فيه الشعوب قيم الرحمة والعدالة والكرامة الإنسانية.
