«ناشيونال إنترست»: كيف كانت ستبدو الحرب النووية بين أمريكا والاتحاد السوفيتي؟
ناقش الكاتب كايل ميزوكامي، متخصص في شؤون الدفاع والأمن القومي، الخسائر البشرية الفادحة وما قد يترتب على نشوب حرب نووية بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة والصين وروسيا والدول التي تدور في فلكِهما من جهة أخرى وذلك في تقرير أعادت مجلة «ناشونال إنترست» الأمريكية نشره بعد ظهوره للمرة الأولى قبل عدة سنوات.
في البداية، يبرز الكاتب خُلاصة وردت في سياق تقريره يلفت فيها إلى أن هجومًا أمريكيًّا شاملًا على الاتحاد السوفييتي والصين والدول التابعة لهما في عام 1962 كان سيؤدي إلى مقتل 335 مليون شخص في غضون أول اثنين وسبعين ساعة من بدئه.
الحرب النووية.. كابوس مرع
يوضح الكاتب أنه ليس من قبيل المبالغة أن نقول إن حربًا نووية شاملة من وجهة نظر مَنْ نشأوا أثناء الحرب الباردة كانت تعني «الكابوس الأكثر رعبًا»، فقد كان احتمال أن يُكدَّر صفو يوم عادي بسبب سماع دوي صفارات إنذار الغارات الجوية وأجهزة الإنذار والشعور بالحرارة الشديدة جرَّاء انفجار نووي حراري احتمالًا حقيقيًّا للغاية، وإن كان مستبعدًا.
وقد عرضت أفلام تلفزيونية مثل اليوم التالي (The Day After) والخيط (Thread) صورة واقعية لهجوم نووي وما يعقبه من تفكك المجتمع تدريجيًّا. وفي هجوم نووي شامل، سيعود معظم العالم الصناعي جراء القصف إلى العصر الحجري، مع مقتل مئات الملايين على الفور وربما وفاة ما يصل إلى مليار أو أكثر بسبب الإشعاع النووي والمرض والمجاعة في مدة ما بعد الحرب.
وأشار الكاتب إلى أن خطة الحرب النووية الأمريكية خلال معظم أوقات الحرب الباردة كانت تُعرف باسم خطة التشغيل المتكاملة الوحيدة (SIOP). وعُرفت أول خطة (SIOP)، والتي قُدمت في عام 1962، باسم (SIOP-62)، وقد وُثِّقت آثارها على الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو والصين في ورقة إحاطة أُعِدت لرؤساء الأركان المشتركة وكشف أرشيف الأمن القومي السرية عنها في عام 2011. وكانت الوثيقة تفترض مسبقًا حدوث أزمة جديدة في برلين، على غرار تلك التي حدثت في عام 1961، ولكنها كانت ستتصاعد إلى حرب شاملة في أوروبا الغربية.
أمريكا والاتحاد السوفيتي.. سيناريوهات كارثية
ويضيف الكاتب قائلًا: وعلى الرغم من أن سيناريو الحرب كان خياليًّا، فإن تقديرات ما بعد الهجوم كانت حقيقية للغاية. ووفقًا للوثيقة، كانت التوقعات قاتمة فيما يخص دول الكتلة الشيوعية التي ستتعرَّض للثِّقَل الكامل للقوة النووية الأمريكية.
وقسَّمت الوثيقة سيناريوهات الهجوم إلى فئتين: الأولى تضرب فيها قوة الإنذار النووي الأمريكية، وهي نسبة من إجمالي القوات النووية الموضوعة في حالة تأهب دائم، الاتحاد السوفيتي وحلفائه. أمَّا السيناريو الثاني، فكان سيشهد استخدام الثِّقَل الكامل للقوة النووية، والمعروف باسم القوة الكاملة.
وبموجب الخطة التشغيلية المتكاملة الوحيدة، كان الهجوم الأمريكي سيستهدف «حوالي 1,000» منشأة مرتبطة بـ «قدرة التوصيل النووي». وسيشهد السيناريو، الذي افترض وجود تحذير مسبق من هجوم سوفييتي وضربة وقائية أمريكية، اضطلاع قوة الإنذار بمهاجمة 75% من هذه الأهداف. وسوف يكون الهجوم بمثابة ضربة «قوة مضادة» إلى حد كبير، ذلك أن القوات النووية الأمريكية كانت ستهاجم القوات السوفيتية وحلف وارسو فضلًا عن القيادة والتحكم والقوات النووية الصينية. وتذكر الوثيقة أن نسبة تدمير الأهداف تتراوح من 83 إلى 88% مع ضمان 70%.
وفي هجوم قوة الإنذار، كان يفترض أن يستهدف الهجوم الأمريكي 199 مدينة سوفيتية يبلغ عدد سكانها خمسين ألفًا أو أكثر. وهذا من شأنه أن يحول 56% من سكان الحضر و37% من إجمالي السكان إلى ضحايا، يموت معظمهم في نهاية المطاف بسبب انهيار المجتمع بعد الهجوم. وفي الصين، كانت ستُضرَب 49 مدينة، مما يحول 41% من سكان الحضر و10% من إجمالي السكان إلى ضحايا. أما في أوروبا الشرقية، كان الهجوم سيضرب أهدافًا عسكرية بحتة فقط، مع توقُّع مقتل 1,378,000 في الهجمات النووية الأمريكية.
وستكون عواقب الهجوم الشامل بالقوة الكاملة أسوأ بكثير؛ ذلك أن هجوم القوة الكاملة كان سيؤدي إلى تدمير 295 مدينة، تاركًا خمس مدن فقط سالمة والتي يبلغ عدد سكانها 50 ألف نسمة أو أكثر. وسيصبح 72% من سكان الحضر و54% من مجموع السكان ضحايا، كما يشير أرشيف الأمن القومي، وهو ما يعني أن عدد القتلى قد يصل على الأرجح إلى 108 ملايين من إجمالي عدد السكان البالغ 217 مليونًا. وفي الصين، كان الهجوم سيضرب 78 مدينة، مما سيؤثر على 53% من سكان الحضر و16% من إجمالي السكان. وكان عدد الضحايا سيتضاعف في أوروبا الشرقية ليصل إلى 4,004,000 شخص.
وبوجه عام، كان الهجوم الأمريكي الشامل على الاتحاد السوفيتي والصين والدول التابعة لهما في عام 1962 سيؤدي إلى مقتل نحو 335 مليون شخص في غضون أول اثنين وسبعين ساعة.
الخسائر الأمريكية المحتملة
وينوِّه الكاتب إلى أن وثيقة خطة (SIOP-62) لم تحاول تقدير الخسائر الأمريكية في حرب نووية. ومع ذلك، فقد صدر تقرير عام 1978 أُعِدَّ لمكتب تقييم التكنولوجيا التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، بعنوان «آثار الحرب النووية» والذي أوضح بتفصيل قاتم ما يمكن أن يحدث إذا أطلق الاتحاد السوفيتي ترسانته النووية على الولايات المتحدة.
يذكر تقرير مكتب تقييم التكنولوجيا أنه في حالة وقوع هجوم سوفييتي ضد القوات النووية الأمريكية، وأهداف عسكرية أخرى، وأهداف اقتصادية وأهداف سكانية، يمكن تقدير أن الهجوم سيقتل ما بين 60 و88 مليون أمريكي.
وفي حال صدر إنذار قبل الهجوم بوقتٍ كافٍ، يمكن إجلاء المدن الرئيسة والمناطق الصناعية، ولكن ذلك لن يؤدي إلا إلى خفض عدد القتلى إلى ما بين 51 و47 مليونًا. وما من شك أن الضربات السوفيتية كانت ستستهدف حلفاء الولايات المتحدة كذلك، بما في ذلك دول حلف شمال الأطلسي واليابان وكوريا الجنوبية ولكن خسائرها لم تشملها الدراسة.
وأضاف الكاتب أن تقريرًا آخر، بعنوان «الضحايا بسبب الانفجار والحرارة وتساقط الإشعاع النووي الناتج من مختلف الهجمات النووية الافتراضية على الولايات المتحدة» افترض هجومًا سوفييتيًّا ضد «1,215 هدفًا نوويًّا استراتيجيًّا أمريكيًّا. وكان الهجوم سيشمل ما يقرب من 3,000 رأس حربي بإجمالي قوة تدميرية تبلغ حوالي 1340 ميجا طن».
ونظرًا لأن الهجمات تُنفذ ضد منشآت محصنة، لا سيما صوامع الصواريخ الباليستية العابرة للقارات من طراز إم إكس (MX) ومينيتمان 3 (Minuteman III)، فقد افترض تنفيذ الهجمات باستخدام صواريخ باليستية عابرة للقارات من طراز «إس إس – 18» المعروفة باسم «الشيطان»، وتحْمِل كل منها عشرة رؤوس حربية بقوة تدميرية تتراوح بين 550 إلى 750 كيلو طن. وكانت الهجمات ستنَّفذ ضد القاذفات الأمريكية وقوات التزويد بالوقود باستخدام صواريخ باليستية عابرة للقارات وصواريخ باليستية تطلقها غواصات من الساحل.
يقول الكاتب إن نتيجة أي هجوم متواضع من هذا القبيل، والذي سيتجنَّب إلى حد كبير مدن الولايات المتحدة بهدف التركيز على مهاجمة القوات النووية في الغرب الأوسط، كان سيُسفِر عن مقتل 13 إلى 34 مليون شخص وعدد ضحايا إجمالي بين 25 إلى 64 مليون شخص. ومع ذلك، كانت الولايات المتحدة، بعد قصفها بـ 1,215 قنبلة نووية، ستخسر عددًا أقل بكثير من الضحايا مما توقعت القيادة الجوية الاستراتيجية أن يفقده الاتحاد السوفيتي في عام 1962.
صورة غير مكتملة
ويُرجِع الكاتب هذا التباين إلى المردود الأكبر للأسلحة النووية الأمريكية في الستينيات مقابل الأسلحة النووية السوفيتية في الثمانينيات، ولكن أيضًا لأنه في وقت صدور تقرير القيادة الجوية الاستراتيجية، كانت القوات النووية السوفيتية تعتمد بالأساس على القاذفات.
وكان لدى الاتحاد السوفيتي ما بين 300 و320 سلاحًا نوويًّا في عام 1962، كانت جميعها قاذفة قنابل باستثناء 40 منها. وربما كانت قواعد القاذفات أقرب إلى المناطق السكانية الرئيسة.
كذلك قد يكون وجود المطارات المحلية، والتي كانت ستعمل بوصفها مطارات تنطلق منها القاذفات المسلحة نوويًّا، من العوامل الرئيسة لاستهداف الأسلحة النووية الأمريكية في المدن السوفيتية. ومن ناحية أخرى، كان الهجوم السوفيتي سيستهدف إلى حد كبير صوامع الصواريخ البالستية العابرة للقارات وقواعد القاذفات في المناطق المنخفضة الكثافة السكانية في الغرب الأوسط، بالإضافة إلى بعض قواعد الغواصات على كلا الساحلين.
وبقدر ما تشي به هذه التقديرات من آثار مدمرة، تُقِّر جميعها بأنها لا ترسم الصورة كاملة. وفي حين أن هذه الدراسات الثلاث تمثل الآثار المباشرة للهجوم النووي، فإن المشكلات الطويلة الأمد قد تؤدي إلى مقتل عدد أكبر من الناس موازنةً بالهجوم نفسه؛ ومن شأن تدمير المدن أن يحرم الملايين من الجرحى، حتى ممن كانت لديهم فرصة النجاة، من تلقي الرعاية الصحية الأساسية.
وسيكون من الصعب الضغط على بقايا الحكومة، في أي بلد، للحفاظ على النظام في مواجهة تضاؤل إمدادات الغذاء والطاقة وانتشار التلوث والأمراض وحشود اللاجئين. وعلى مدى مدة اثني عشر شهرًا، وحسب شدة الهجوم، يمكن أن يتضاعف مجموع الوفيات التي تُعزى إلى الهجمات.
ويختم الكاتب تقريره فيقول: وعلى الرغم من انتهاء التهديد بالحرب النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، تواجه الولايات المتحدة الآن احتمالات اندلاع حرب مماثلة مع روسيا أو الصين. ولن تكون آثار الحرب النووية في القرن الحادي والعشرين أقل حدة. بيد أن الخطوات الرامية إلى تجنب الحرب النووية هي الخطوات ذاتها التي كانت عليها أثناء الحرب الباردة، والتي تتلخص في الحد من التسلح وتدابير بناء الثقة التي اتَّخذها الجانبان وتخفيف حدة التوترات.
