واشنطن تغادر أفغانستان ونفوذ إيراني في العالم العربي
على عكس موقفها في العراق، إذ تطالب إيران بخروج كامل للقوات الأميركية، فإن مغادرة الأخيرة من أراضي جارتها الغربية أفغانستان يمثل تحديا كبيرا بالنسبة لطهران، لا سيما بعد السقوط المتسارع للمديريات الأفغانية بأيدي مقاتلي حركة طالبان.
وفي 29 يونيو/ حزيران 2021، سيطرت طالبان على 3 مناطق بولاية غزنة (شرقي أفغانستان)، خلال 24 ساعة فقط، إذ تتزامن هذه التطورات مع انسحاب القوات الأميركية من البلاد، الذي من المقرر أن يكتمل بحلول 11 سبتمبر/أيلول 2021، وفق الرئيس جو بايدن.
التطورات المتسارعة في أفغانستان أثارت تساؤلات كثيرة عن تداعيات ذلك على إيران، ومستقبل تدخلاتها في المنطقة العربية، والتحديات التي من المحتمل أن تواجهها على حدودها الغربية في حال سيطرت حركة طالبان الأفغانية على البلاد بعد الانسحاب الأميركي.
كابوس جديد
إيران من جانبها، تتابع ما يجري عن كثب، وهو ما كشفه المتحدث باسم خارجيتها، سعيد خطيب زادة، في 28 يونيو/ حزيران 2021، وقوله إنه “على أعلى مستويات الأمن والسياسة تتابع طهران قضية أفغانستان بجدية وعن كثب وتتفاوض مع مختلف الأطراف الأفغانية”.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب أحمد موفق زيدان خلال مقال نشره موقع “الجزيرة نت” في 24 يونيو/ حزيران 2021 أن “السقوط المتسارع للمديريات الأفغانية بأيدي مقاتلي حركة طالبان الأفغانية شكل هاجسا وكابوسا حقيقيا لإيران والقوى الأفغانية الحكومية المتحالفة معها”.
وأضاف أن ذلك “أعاد إلى الذاكرة الإيرانية انتصارات طالبان عام 1996، يوم قتلت عددا من دبلوماسيي طهران في (مزار شريف) شمالي أفغانستان، حين اجتاحتها وسيطرت عليها”.
وجاء التركيز الطالباني الأخير على الشمال الأفغاني ليكون بداية ما انتهت إليه طالبان في نسختها الأولى عام 1996، يوم أخّرت عملياتها في الشمال الأفغاني إلى النهاية، وفق قوله.
وتابع: “أما اليوم فقد أصبح التركيز على الشمال لقطع تواصل الأقليات الأفغانية مع جمهوريات وسط آسيا، التي شكلت في السابق حديقة خلفية لروسيا وإيران عدوتي طالبان، وهو ما أدى إلى انتكاسها في البداية وتكبدها خسائر كبيرة”.
ولفت زيدان إلى أن “طالبان نجحت -في ضربة سريعة وخاطفة- بالسيطرة على ممر شيرخان الواصل مع جمهورية طاجكستان، وكذلك على مقر المليشيات الأوزبكية بزعامة مجرم الحرب عبد الرشيد دستم الذي وصفته بذلك منظمات حقوقية دولية، وهو ما أطلق صافرات الإنذار في طهران”.
وأردف الكاتب، قائلا “مليشيات الهزارة الشيعية في الوسط الأفغاني والموالية لإيران بدأت بتشكيل مليشياتها الخاصة بها، تماما كما دعا محمد عطا -قائد طاجيكي في مزار شريف- إلى التعبئة العامة لقتال طالبان”.
ومن جانبه أعلن القائد محمد إسماعيل خان الطاجيكي في ولاية هيرات عن استعداد نصف مليون مقاتل لقتال طالبان، وهي الوجوه نفسها التي قاتلتها طالبان في التسعينيات وهزمتها، وفرّ بعض قادتها إلى طهران، وفق قوله.

انشغال إيراني
وبخصوص تأثر مستقبل التدخل الإيراني في العالم العربي بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، قال الكاتب زيدان إنه “يبدو من الواضح أن إيران ستكون منشغلة كل الانشغال بأفغانستان عن المنطقة العربية، نتيجة الحدود المشتركة المباشرة معها، ومن ثم فوصول قوى مناوئة لها للعظم في أفغانستان سيلقي بتداعيات جيوسياسية”.
ولفت إلى أنه “ذلك لا يتعلق بإيران فحسب، وإنما على الداخل الباكستاني، وبتقرير هوية القوى الصاعدة سياسيا في باكستان، بحيث سيكون ثمة تماه واتفاق سياسي بين أفغانستان وباكستان، وهو ما سيضرّ المصالح الإيرانية، ليس في منطقة جنوب آسيا فقط وإنما على المستوى العربي أيضا، الأمر الذي ينبغي على أصحاب الربيع العربي التنبه له والاستفادة منه بشكل كبير”.
وذكّر الكاتب بتصريح وزير خارجية إيران جواد ظريف بداية عام 2021 عبر تلفزيون “طلوع” الأفغاني- الذي طرح فيه دمجَ قوات “فاطميون” مع الجيش الأفغاني، إذ كان يدرك تماما أن عودة طالبان حتمية، ولا بد من مواجهتها، ولا يتحقق ذلك بدون المليشيات ذات الخلفية المذهبية.
وتابع: “مثل هذا الواقع قد يشكل فرصة ذهبية للدول التي نُكبت بالاحتلالات والتدخلات الإيرانية، ومن ثم فتثبيت الواقع المرير الحالي في الشام والعراق واليمن وغيرها لن يكون في صالح المنطقة العربية، إذ أن إيران اليوم بحاجة إلى تهدئة هذه الجبهات من أجل التفرغ للجبهة الأفغانية”.
من جهته، قال الباحث المختص في الشأن الإيراني، فراس إلياس، إن “التعقيد الذي تواجههٌ الحالة الإيرانية في أفغانستان، سيجعل إيران تمارس دور الاطفائي لأي تصعيد مفترض في الداخل الأفغاني، سواء عبر دعم جهود حلفائها لضمان الاستقرار وتعزيز أمن الحدود أم ربط الاستقرار في البلد ضمن مسارات الحوار الحاليّ في فيينا مع الولايات المتحدة”.
وإجمالا فإن الاستجابة الإيرانية للحالة الأفغانية ستعتمد على درجة التهديد الذي ستواجهه طهران مستقبلا، بحسب مقال نشره في موقع “نون بوست” في 24 أبريل/ نيسان 2021.
وتابع: “هنا يمكن القول إن الروابط التي تؤطر العلاقات بين إيران وحركة طالبان من جهة، والقاعدة العسكرية التي يمثلها لواء فاطميون الأفغاني من جهة أخرى، تشكل خيارات إيرانية متعددة لضبط الإيقاع الأفغاني حسب التوجه الذي تريده طهران”.
كما يمكن لطهران إعادة تأسيس محور إيران وروسيا والهند، لدعم انتقال سياسي جديد في أفغانستان بعيدا عن الرؤية الأميركية، بحسب قوله.
ورأى إلياس أن “إحدى فرضيات الانغماس الإيراني المباشر في الحالة الأفغانية، هي إمكانية عودة نشاط تنظيم الدولة بعد الانسحاب الأميركي، إذ حذر ظريف في بيان أصدره في 16 من أبريل/نيسان 2021، من وجود تنظيم الدولة في أفغانستان”.
وكان ظريف أشار إلى أن التنظيم تبنى حتى الآن مسؤولية عدد من الهجمات القاتلة في أفغانستان، وقال: “نشهد الآن دور تنظيم الدولة، لا نعرف من يدعم التنظيم في أفغانستان، بالطبع، لدينا بعض الأدلة الموضوعية عن الأشخاص الذين خططوا لنقل التنظيم من العراق وسوريا إلى أفغانستان”.
وأضاف: “تنظيم الدولة خطر على أفغانستان وإيران وباكستان والجميع، لذلك لدينا تهديد مشترك”.

ضرورة إيرانية
تخشى إيران بشكل كبير على الأقلية الشيعية في أفغانستان التي تمثلها “الهزارة” في حال سيطرت حركة طالبان على البلاد بعد الانسحاب الأميركي، رغم حالة العداء المعلن بين طهران وواشنطن.
وهو ما يفسّره الخبير بالشؤون الإيرانية والأفغانية، غسان حمدان، بـ”خشية الحكومة الإيرانية من انتعاش التطرف الديني والقومي الأفغاني على حدودها الشرقية”.
“حمدان” قال خلال تصريحات صحفية في 10 مايو/ أيار 2021 إنه “رغم عدم تحمل طهران وجود القوات الأميركية في الدول المجاورة لها، وتسعى لدفعها للانسحاب من العراق خصوصا، إلا أن المجاميع المتطرفة الأفغانية تناهض إيران بشراسة، والأمر لا يقتصر على التيارات الإسلامية، وإنما الجهات القومية الأفغانية غير الدينية”.
وأضاف: “ربما تبرز جهات منفلتة، على الحدود الأفغانية الإيرانية، تسبب مشاكل حدودية لاحقا لطهران”، مشيرا إلى “مخاوف إيرانية أخرى، مثل خسارة السوق الأفغاني، الذي سيطرت على جانب كبير منه لسنوات، بعد غزوه بالبضاعة والمواد الغذائية الإيرانية”.
وشدد حمدان على أن “المشكلة لا تقتصر فقط على حركة طالبان، التي ستستغلّ بالتأكيد خروج القوات الأميركية، وإنما تنظيم الدولة أيضا، الذي سينتهز الفرصة للظهور من جديد على الساحة الأفغانية”.
هذا فضلا عن الخلافات القومية والطائفية بين الأفغان، مثل الصراع بين قومية البشتو السنيّة، التي تشكل أغلبية الشعب الأفغاني، وأقلية الهزارة الشيعية، الأقرب لغويا وإثنيا إلى الإيرانيين.
ولفت الخبير بالشأن الأفغاني الى أنه “في حال نشوب حرب أهلية في البلاد، سيظهر قادة جدد غير معروفين، من أبناء الأحياء الفقيرة والقوميات المضطهدة، الذين لا يريدون أن يكونوا ضحايا لغيرهم بلا مقاومة، ما يعني أن الأمور قد تخرج عن السيطرة تماما، وهذا بالتأكيد ليس في صالح طهران”.
ورغم المخاوف الكبيرة من الانسحاب الأميركي، رأى حمدان أن “الولايات المتحدة ستستمر في دعم الحكومة الأفغانية، وهذا ما ستفعله أيضا معظم الدول الكبرى والمنظمات الأممية، التي لا مصلحة لها بانزلاق البلاد نحو الفوضى”.

وأكد حمدان أن الحركة “تطمح لاحتلال العاصمة الأفغانية كابل، بعد اعتقادها بالانتصار على واشنطن، التي قبلت التفاوض معها، ما أعطى الشرعية لوجودها. وحركة بهذا الطموح لن تدخل في مفاوضات سياسية مع أطراف محلية، للتوصل لحكومات وحدة وطنية”.
وفي 29 فبراير/ شباط 2020، وقّعت الولايات المتحدة اتفاقا مع حركة طالبان في قطر، بعد مفاوضات طويلة استمرت لسنوات، وتعثّرت أكثر من مرة، ينظّم انسحابا تدريجيا للقوات الأميركية من أفغانستان، ويمهّد لمفاوضات مباشرة بين حكومة كابل وطالبان، وهو اتفاق وصفه البعض بـ”التاريخي”.
وفي المقابل، رأى الزميل الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية حميد رضا عزيزي، أن طهران أعدت نفسها بالفعل لأفغانستان ما بعد الولايات المتحدة.
وقال: “تشير الاتصالات والاجتماعات الأخيرة بين ممثلي طالبان والمسؤولين الإيرانيين إلى أن طهران اعترفت بالفعل بالجماعة باعتبارها جهة فاعلة لا يمكن إنكارها، لكنه في الغالب اعتراف بدافع الضرورة”.
وأضاف عزيزي خلال تصريحات صحفية في 25 أبريل/ نيسان 2021 أن “إيران تحتاج إلى بناء علاقات مع الحركة السنية المتشددة لحماية مصالحها وأمنها من التهديد المحتمل في البلد المجاور الذي ستسيطر عليه طالبان في المستقبل القريب”.
ورغم علاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة، دعمت طهران في 2001 الغزو الأميركي الذي أطاح بطالبان التي فرضت نهجا متشددا على أفغانستان في الفترة من 1996 حتى 2001، وتتشارك إيران حدودا يبلغ طولها نحو 965 كلم مع أفغانستان، وتشابكت العلاقة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
