التفكك الكردي بالعراق.. كيف يدفع إيران لوأد تحالف الصدر والبارزاني؟
تشهد الساحة العراقية حراكا سياسيا متصاعدا لتشكيل تحالفات قوية بين قوى وكتل سياسية عدة، ولا سيما الشيعية منها والكردية، استعدادا لمرحلة تشكيل الحكومة المقبلة بعد الانتخابات البرلمانية المبكرة المزمع إقامتها في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
أولى ملامح تلك التحالفات ما جرى الاتفاق عليه بين التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني، إذ كشفت تقارير صحفية في مارس/ آذار 2021 أنهما اتفقا على ذهاب رئاسة الوزراء للأول والجمهورية للثاني.
وذكرت التقارير أن الاجتماعات بين التيار الصدري والديمقراطي الكردستاني، تمخضت عن استعداد الأخير لاعتبار الصدر مرجعا سياسيا وحيدا لقادة الشيعة، فيما يعتبر الصدر البارزاني مرجعا سياسيا لكل الأكراد، كما يُعد الطرفان الأبعد عن تأثيرات إيران.
تحالف مناهض
تقارب الصدر والبارزاني، حرّك على ما يبدو قوى سياسية قريبة من إيران للدخول في محادثات تشكيل تحالف سياسي بعد الانتخابات، الهدف منه قطع الطريق أمام الاتفاقات التي توصل إليه التيار الصدري والديمقراطي الكردستاني، بحسب مراقبين.
وفي 7 يونيو/ حزيران 2021 قالت آلا الطالباني رئيسة كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني (الحلف الكردي الأقرب لإيران)، إن تحالف الفتح (الجناح السياسي لفصائل الحشد الشعبي)، هو أقرب الأحزاب العراقية، إلى الاتحاد، ومن المقرر عقد تحالف بعد الانتخابات.
الطالباني، أوضحت خلال مؤتمر صحفي بعد لقائها زعيم “الفتح” هادي العامري، أن “الاتحاد ناقش قضية الانتخابات وأكد أهمية إجرائها في الموعد المقرر”.
وأضافت: “لن ننسى أصدقاءنا القدامى، سنكون دائما حلفاء، في الوقت الراهن وبعد الانتخابات، وأقرب التحالفات والأحزاب إلينا هو تحالف الفتح”.
وأشارت القيادية في الهيئة السياسية للحزب الذي أسسه الرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني إلى أن “الاتحاد سيواصل العمل مع تحالف الفتح حتى الانتخابات، فضلا عن التحالف في مرحلة ما بعد الانتخابات”.
وفي المقابل، أكد النائب حسين اليساري عن تحالف “الفتح” خلال تصريحات صحفية في 8 يونيو/ حزيران 2021 وجود حوارات مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني خلال الأيام الماضية، وأفضى ذلك إلى حصول “تقارب كبير” بين الجانبين.
وأوضح النائب عن “الفتح” أن “الأكراد مكون رئيسي في الدولة العراقية وله أثره ووجوده، وجميع الكتل السياسية سواء السنية أو الشيعية تسعى إلى تشكيل تحالفات في الوقت الحالي، لإيجاد مكان لها في الخارطة السياسية المقبلة”.
وبيّن اليساري أن “التفاهمات قائمة والتواصل موجود بين تحالف الفتح، والاتحاد الوطني الكردستاني، وربما يكون جرى تثبيت بعض النقاط، فهناك توافق وتفاهمات حول بعض هذه النقاط”.
وأكد النائب العراقي حصول “تقارب كبير بين تحالف الفتح والاتحاد الوطني، وربما لا يصل في الوقت الحالي إلى تحالف سياسي معلن، لكنه قد يفضي إلى التزامات سياسية في مرحلة ما بعد الانتخابات”.

رغبة إيرانية
كشفت زيارة وفد الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة الرئيس المشترك بافل الطالباني، إلى بغداد في 6 يونيو/ حزيران 2021 عن توجه للتحالف بشكل علني مع الأحزاب والمليشيات الموالية لإيران، وذلك بعدما كانت الأحزاب الكردية تقيم تحالفات في البيت الكردي لتظهر موحدة بالبرلمان العراقي.
والتقى وفد الحزب قادة الكتل السياسية الشيعية في بغداد على أمل رسم خارطة تحالفات جديدة، إذ عقد لقاءات مع زعيم تحالف “الفتح” هادي العامري، ورئيس ائتلاف “دولة القانون” نوري المالكي، ويعد الطرفان الأقرب إلى إيران من بين القوى والأحزاب الشيعية.
ونقلت تقارير صحفية عن مصادر سياسية عراقية (لم تكشف هويتها) في 8 يونيو/ حزيران 2021 أن ميل الاتحاد الوطني الكردستاني إلى طهران كحليف إستراتيجي ستتضرر مصالحه في العراق يدفع إلى التقارب مع كتلة “الفتح” التي صارت تمثل المصالح الإيرانية في العراق.
وأفادت المصادر ذاتها بأن “إيران الحليفة التاريخية لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني تدفع لدعم كتلتها السياسية الموالية المكونة بالأساس من تحالف الفتح، بعد أن حسم الحزب الديمقراطي الكردستاني خياراته بالتحالف مع الكتلة المضادة (الكاظمي – الصدر)”.
من جهته، رأى الكاتب العراقي علي البيدر خلال تصريحات صحفية في 11 يونيو/ حزيران 2021 أن طروحات كل من التيار الصدري والحزب الديمقراطي الكردستاني تتقارب.
وأضاف البيدر أن “هناك عوامل عدة لتقارب هذين القطبين، أولها عدم وجود رغبة إيرانية بتقاربهما، فضلا عن فقدان ثقة الديمقراطي وجمهوره في الأطراف الشيعية، خصوصا حزب الدعوة الذي عمل ضد تطلعات الأخير”.
ولفت إلى أن “الديمقراطي” فقد ثقته في “تحالف الفتح”.
وفي هذه النقطة تحديدا، قال كفاح محمود المستشار الإعلامي لزعيم “الديمقراطي الكردستاني” إنه “لم يعد وجود للتحالف الإستراتيجي بين حزبه والقوى الشيعية، ففي الولاية الثانية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي، سادت بيئة اللاثقة بين الطرفين، خاصة بعد دخول المليشيات، وتوجهها العدواني تجاه الإقليم”.
وأكد محمود خلال تصريحات صحفية في مايو/ أيار 2021 أن ذلك “دفع للتقارب بين الديمقراطي الكردستاني والتيار الصدري، إذ لم يثبت حتى الآن أن الأخير يدعم المليشيات أو يؤيد تصرفاتها، وإنما معظم هذه الفصائل لديها ارتباطات ومدعومة من كتل برلمانية، وبالتأكيد هذه ستكون خارج إطار تحالفات الحزب الديمقراطي”.

تفكك كردي
وبخصوص ذهاب الأحزاب الكردية إلى تشكيل تحالفات منفردة بعدما كانت جبهة واحدة طيلة الانتخابات الماضية بعد عام 2003، استبعد البيدر توحيد الصف الكردي الذي بات مختلفا، لا سيما بعد أحداث 2017 ما أدى إلى نشوب مزيد من التقاطعات.
وأجرت حكومة إقليم كردستان استفتاء للانفصال عن العراق في 25 سبتمبر/ أيلول من عام 2017، الأمر الذي تسبب بحصول أزمة كبيرة بين حكومتي بغداد وأربيل، خصوصا بعدما سيطرت القوات العراقية والحشد الشعبي على مدينة كركوك بعدما كانت خاضعة لقوات البيشمركة.
ويرجح البيدر أن يتحاور الحزب الديمقراطي الكردستاني بشكل منفرد مع الصدريين، إذا ما حقق مقاعد أعلى مما حققه في انتخابات 2018، ما سيعطيه حرية أكبر في قيادة القرار الكردي.
وتوقع الكاتب أن يسعى الديمقراطي الكردستاني للحصول على منصب رئيس البرلمان، كونه يبحث عن قوانين تكتب لمصلحة المكون الكردي.
ولفت إلى أن الديمقراطي قد يضحي بمنصب رئيس الجمهورية، ما سيؤدي إلى خلاف داخل المكون، كون هذا المنصب من حصة الاتحاد الوطني لسنوات.

من جانبه، أعرب رئيس مركز “التفكير السياسي” إحسان الشمري عن اعتقاده بأن الحوارات والتحالفات المقبلة ستكون للأقوياء في المكونات العراقية، وهي من يحدد شروط الانضمام إلى أي تحالف جديد، لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة.
وأضاف الشمري خلال تصريحات صحفية في 11 يونيو/ حزيران 2021 أن “الانقسامات داخل البيت السياسي الكردي أثرت بشكل كبير في أن يظهر الكرد كتلة سياسية صلبة أمام الآخرين، بعكس السنوات السابقة.
وهو ما أعطى مساحة لأن يفكر كل من الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بمعزل عن ذلك النموذج السياسي الذي وحد البيت الكردي.
ورجح الشمري أن “يظهر نمط جديد في التحالفات، يعتمد على أقوياء المكونات، بالتالي، فالتيار الصدري هو الأقوى من ناحية الجمهور الثابت العقائدي الذي يتبع رجل الدين مقتدى الصدر. وفي المقابل، هناك الحزب الديمقراطي الكردستاني والأقوياء داخل الكتل السياسية الأخرى”.
وتابع الخبير العراقي، قائلا: “التفاهمات الأولية ستكون ما بين الصدري والديمقراطي الكردستاني، وهما سيشكلان مساحة كبيرة جدا، إلا أنهما لن يتخليا عن القوى الأخرى، لكنهما سيفرضان الشروط داخل مكوناتهما السياسية باعتبارهما الأقوى”.
وأشار إلى أن “التيار الصدري يسعى إلى اختيار رئيس الوزراء مقابل حصول الديمقراطي الكردستاني على إحدى الرئاسات”.
