العيد العالمي للمرأة… بين أمجاد المرأة الجزائرية ودموع نساء فلسطين
✍️ أبو أميرة الجزائري
المثقف القومي العربي المستقل،
في كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للمرأة، وتُرفع الشعارات عن حقوق المرأة والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة في هذا الزمن المضطرب: أيُّ امرأةٍ يحتفل بها العالم اليوم؟ وأيُّ عدالةٍ هذه التي تُرفع شعاراتها في القاعات الدولية بينما تُدفن النساء تحت الأنقاض في فلسطين وسوريا والسودان واليمن؟
إن الحديث عن المرأة لا يمكن أن يكون مجرد احتفال رمزي أو خطاب موسمي، بل هو قبل كل شيء اعتراف بتاريخ من التضحية والكرامة والنضال. وإذا كانت شعوب العالم تتباهى بنساء صنعن التاريخ، فإن الجزائر تملك في ذاكرتها الوطنية مدرسة كاملة من النساء اللواتي صنعن المجد بدموعهن وصبرهن وتضحياتهن.
المرأة الجزائرية… مدرسة وطنية في الكرامة
المرأة الجزائرية لم تكن يوماً مجرد متفرجة على التاريخ، بل كانت دائماً صانعة له. فهي الأم التي أنجبت رجال الدولة والمقاومة، وهي التي حفظت الهوية حين حاول الاستعمار طمسها.
هذه المرأة هي التي أنجبت الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الرجل الذي أصبح رمزاً للكرامة والسيادة الوطنية في مواجهة الاستعمار. لم يكن الأمير عبد القادر مجرد قائد عسكري، بل كان ثمرة تربية امرأة جزائرية أصيلة غرست فيه الإيمان والعلم والشجاعة.
ولم يتوقف دور المرأة الجزائرية عند لحظة الميلاد، بل امتد عبر التاريخ الحديث، خاصة خلال الثورة الجزائرية، حيث تحولت المرأة إلى مقاتلة وممرضة ورسولة سرية، بل وإلى شهيدة قدمت حياتها من أجل استقلال الوطن.
كانت هناك نساء حملن السلاح، ونساء أخفين المجاهدين، ونساء صبرن في السجون والمعتقلات. وكانت هناك أمّهات دفنَّ أبناءهن ولم تنكسر عزيمتهن، بل ازداد إيمانهن بأن الجزائر تستحق التضحية.
اليوم، تقف المرأة الجزائرية في الصفوف الأولى في كل الميادين: في الجامعة، في الطب، في القضاء، في الجيش، في الاقتصاد، وفي الحياة السياسية. إنها امرأة صنعت مكانتها بالعلم والعمل والكفاءة، لا بالشعارات.
العيد العالمي للمرأة… وازدواجية الضمير الدولي
لكن حين ننظر إلى هذا الاحتفال العالمي، يبرز سؤال أخلاقي عميق: كيف يحتفل العالم بحقوق المرأة بينما تُباد نساء بأكملهن تحت القصف؟
أين هو الضمير الدولي حين تُدفن امرأة تحت أنقاض منزلها في غزة؟
أين هي الشعارات حين تودّع أمّ أبناءها الذين سقطوا في القصف؟
أين هي العدالة حين تجمع امرأة أشلاء زوجها وأطفالها بيديها؟
إن ما يحدث في غزة وكل فلسطين اليوم ليس مجرد حرب، بل مأساة إنسانية تتعرض لها النساء قبل غيرهن.
في غزة اليوم:
امرأة دفنت زوجها.
وأخرى ودّعت أبناءها.
وثالثة تجمع أشلاء عائلتها.
ورابعة تركت خلفها طفلاً رضيعاً وهي تحت الأنقاض.
وهذا المشهد لا يقتصر على غزة فقط، بل يمتد إلى السودان ولبنان وسوريا واليمن والعراق وليبيا… حيث تدفع النساء الثمن الأكبر للحروب والصراعات.
أين يقف المجتمع الدولي؟
هنا يطرح الضمير الإنساني سؤالاً لا يمكن تجاهله:
أين تقف الأمم المتحدة أمام هذه المأساة؟
وأين يقف مجلس الأمن الدولي أمام الإبادة الجماعية التي يتعرض لها شعب أعزل؟
كيف يمكن أن يتحدث العالم عن حقوق المرأة في المؤتمرات الدولية بينما تُسفك دماء النساء أمام عدسات الكاميرات؟
إن الاحتفال الحقيقي بالمرأة لا يكون بالخطابات ولا بالبيانات الرسمية، بل بحماية حياتها وكرامتها وحقها في الأمن والعيش بسلام.
رسالة إلى العالم،
في هذا اليوم العالمي للمرأة، يجب أن نتذكر أن المرأة ليست مجرد عنوان للاحتفال، بل هي قلب المجتمع وروحه وضميره.
والمرأة الجزائرية، التي صنعت تاريخاً من النضال والكرامة، تعرف جيداً معنى التضحية ومعنى الصبر. لذلك فإنها لا تستطيع أن تحتفل بينما ترى أخواتها في فلسطين والسودان واليمن وسوريا يدفعن ثمن صمت العالم.
إن الاحتفال الحقيقي بالمرأة يبدأ عندما يتوقف الظلم، عندما يسقط القصف، عندما تعود الأمهات إلى بيوتهن آمنات، وعندما يكبر الأطفال في حضن الحياة لا تحت أنقاض الحروب.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى السؤال قائماً:
أيُّ عيدٍ هذا الذي يحتفل به العالم… ونساءٌ كثيرات ما زلن تحت الأنقاض؟
عن الشعوب الحرة والضمائر الحيّة
✍️ أبو أميرة الجزائري المثقف القومي العربي المستقل،المحلل الاستراتيجي للقضايا السيادية والجيوسياسية مدافع عن القضايا العادلة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
