الله يجيب الخير ..!
بقلم : مهماه بوزيان
أرى بأن مسعى جرّ “سعيد جاب الخير” أمام القضاء بتهمة الاستهزاء بالمعلوم من الدين وبشعائر الإسلام هي معركة خاسرة، لنا كمجموعة وطنية، مهما كانت نتيجة الحكم الذي سيصدره القضاء بخصوصها وطبيعته، وأنا هنا لست بصدد التعليق على عمل العدالة أو على أحكام القضاء، إنما أنا بصدد إبداء رأي بخصوص مسعى “رفع دعاوى قضائية” حول آراء المعني وأفكاره .. وفي تقديري بأنها معركة خاسرة لنا كمجموعة وطنية، لأن مآلات المسعى، في تقديري، ستكون نقيض الرغبة والنشوة التي تعتري كلّ منتشي حاليا بقبول الدعوى، ببساطة فهي :
أولاً، كنتيجة لرغبتنا في ممارسة الوصاية على فكر الآخرين، بدلاً من القيام بواجب تبليغ “مضامين الوصايا الربانية” للإنسانية، سنمكّن المعني “سعيد جاب الخير” من تحقيق رغبته الدفينة كي يصير “ميشال فوكو الجزائر” دون زاد معرفي رصين، فقط نحن “أوصياء الحق” من سيدفعه للوصول إلى مبتغاه .. لأن أزيد عن ذلك، فقط عليكم البحث والتدقيق.
ثانيا، سيورث هذا المسعى تمكينا لـ”الفكرة المنحرفة” ولصاحبها، وحشدا للأنصار من حوله،
ثالثاً، محاكمة “الفكرة المنحرفة” ستضعف الموقف الوطني، وستلقي بالمزيد من الضغوطات والإكراهات الأممية على كاهل الدولة، وفي النهاية حصول المزيد من التنازلات لصالح “الحريات المنحرفة التي سترقص على مكنونات الفطرة السليمة” .. فماذ حققنا من خدمة للحق بعد ذلك؟!!
رابعاً، الإلقاء بالتجاذبات الفكرية والسياسية والعقائدية إلى ساحات القضاء وأتون المحاكمات هو في حدّ ذاته تصرف يبرز تنصلنا من واجباتنا المؤكدة في المواجهة والمحاججة والإقناع والكتابة وشغل الفضاءات المتاحة والمنابر الإعلامية وبذل الجهد من خلالها لتنوير المجتمع، فنحن بذلك نكون قد اتبعنا أقصر السبل، فقط لإقناع انفسنا بأننا انتصرنا للحق دون أدنى جهد منا في القيام بالتبليغ وممارسة أدوار “الشهود” و”الشهادة” ..!!
خامساً، لقد علمنا التاريخ أن محاكمة “الرأي” يصنع من صاحبه رمزا، مهما كانت طبيعة هذا الرأي سياسيا أو فكريا أو دينيا أو اجتماعيا أو توجهاً إيديولوجيا، ومهما كان حكمنا القيمي على هذا الرأي .. كما علمنا التاريخ أن الزج بصاحب الرأي في أقبية السجون سيحيل عمله بطولة .. و نصب أعواد المشانق لإعدام “الفكرة” تمكِّن لها أكثر و تُنبت من حولها أنصارا في أقبية الظلام، حتى وإن كانت الفكرة “باطلا محضاً”.
سادساً، من سنن الله في الكون أن الفكرة الخبيثة يلفظها الكيان الإجتماعي الحي الذي يعيش حيوية مستديمة لا خمولاً، و من هذه السنن الربانية { فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَب جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَع النَّاس فَيَمْكُث فِي الْأَرْض كَذَلِكَ يَضْرِب اللَّه الْأَمْثَال } [الرعد:17]
كما ندرك أن “الفكرة السيئة” حين مقارعتها بـ”الفكرة الحسنة” و حشد أدوات الإقناع والإتكاء على المنطق الحق في ذلك، سيجعل المجتمع أفرادا وجماعات تستقبح الضلالات وتنفضّ من حولها، وحينها تتوارى “الفكرة السيئة” .. فقط تتوارى إذا مارسنا الأدوار المنوطة بنا من الشهود والشهادة وعدم الإنكفاء عن دور “المشاهدة” فحسب ..

لكن حين نتّبع سبيل “من انقطعت بهم السبل” ونستلذ محاكمة “الآخر” بسبب “رأي”، فإننا نكون قد خسرنا معركة “الحق” القائمة على “التدافع”، وحينها ينبغي عدم الإستغراب حين ينبري للدفاع عن صاحب “الفكرة الضلال” أفاضل ممن يؤمنون بالحرية كقيمة عزيزة ..
من هنا أجد، ينبغي لنا الإدراك أنه ليس من الصلاح القيام بأدور “حراس المعبد” .. فواجباتنا اليوم أكبر، وهي ما أقره الدين الحنيف منذ عهد الصفوة الأولى، إنها :
1- “واجب الإنجاز في دنيا الناس”، وهو واجب القيام بالعمل الصالح، والمسارعة إلى الخيرات،
2- الواجب المعرفي “الواجب الفكري والثقافي والإنتاج المعرفي الرصين القائم على الإجتهاد والإضافات العلمية والمعرفية”، هذا الذي يتجلى في التوجيه الرباني للتسلح بالكلمة الطيبة، مما يبني القناعات السليمة في كياننا الإجتماعي،
3- “الواجب الإقتصادي”، و القيام بموجبات البر، من إطعام الطعام وإغاثة اللهفان والعناية بالمساكين، وهي واجبات حياتية مقدمة في القرآن الكريم عن الصلاة “الصلاة هي عماد الدين” :
{ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [البقرة: 177]
فالصلاة التي هي عماد الدين، جاءت في القرآن الكريم مقرونة بزكاة المال وبالإنفاق { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } [فاطر: 29]
{ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [البقرة: 110]
4- وعدم الإنتصار للذات كذات بشرية، وهذا هو الصبر المقدم عن الصلاة {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } [البقرة: 45]
{ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 22]
وجماع هذا الأمر كله سيكون تمثّلا لواجب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

