المغرب: تواصل ردود الفعل حول الحكم القضائي الصادر في حق الصحافي سليمان الريسوني
ما زال الحكم الصادر في حق الصحافي المغربي سليمان الريسوني بخمس سنوات سجناً نافذاً يثير ردود فعل مختلفة، إذ اعتبرته قاسياً، خاصة وأنه صدر في غياب المعني بالأمر الذي اعتقل منذ أكثر من سنة على ذمة التحقيق في قضية جنسية رفعها ضده شاب مثلي، بينما يرى حقوقيون أنه “عوقب” على مواقفه السياسية الجريئة.
وأعرب ناشطون عن أملهم في أن تعيد محكمة درجة ثانية الأمور إلى نصابها، وتنصف الصحافي المعتقل الذي ما زال يخوض إضراباً عن الطعام احتجاجاً على أطوار المتابعة وظروف السجن، بينما تنفي إدارة السجون باستمرار كونه لا يتناول أي طعام مطلقاً.
وامتلأت صفحات التواصل الاجتماعي والمدونات بتعليقات وتصريحات لعدد من الشخصيات السياسية والحقوقية والإعلامية، وفي هذا الصدد نقل عن محمد الأشعري، وزير الثقافة السابق والقيادي في حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، قوله: “صدمني كثيراً صدور هذا الحكم القاسي على الزميل والصديق العزيز سليمان الريسوني، أولاً لأن ظروفه الإنسانية بعد إضراب طويل عن الطعام، وظروفه الحقوقية كمواطن له الحق كل الحق في محاكمة عادلة، كانت تقتضي قدراً ولو بسيطاً من الاعتبار، وثانياً لأن بلادنا، خصوصاً وهي تجتاز المرحلة التي تجتازها، ليست في حاجة إلى هذه الشوكة الجديدة في حلقها”.
وأضاف قائلاً: “لذلك، أتمنى وقد تجاوزنا المحطة القضائية الأولى في هذه القضية، أن نهتدي جميعاً إلى طي هذه الصفحة، ولو أنه مؤلم جداً أن لا نتوقف عن فتح الصفحات وإغلاقها”.
قضية سياسية
في السياق نفسه، قال عبد العزيز أفتاتي، البرلماني عن حزب “العدالة والتنمية” الذي يقود الحكومة: “المسار كله جد قاس، من المتابعة في حال اعتقال ثم مكابدة تنكيل الاعتقال وتداعيات الإضراب عن الطعام، وصولاً للحكم بخمس سنوات، وتكريس الأهوال السابقة، مما يضفي الطابع السياسي للمتابعة في أصلها وتفاصيلها.
وأردف: “أرجو مخلصاً التدارك بإعمال آليات العفو ومناسباته عديدة وقريبة: عيد الأضحى المبارك الذي يتزامن مع ذكرى وطنية غالية، وهي المناسبة المئوية لمعركة أنوال الشهيرة”.
وأعرب عن اعتقاده بأن “مُراد الديمقراطيين والحقوقيين والإعلاميين هو استثمار المناسبتين لتحقيق الانفراج بإخلاء سبيل سليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين وشباب الريف وعمر الراضي وطي صفحة أضرت بصورة المغرب الحقوقية”. وأكد تضامنه المطلق مع الريسوني، لافتاً إلى أن “المغرب في حاجة لسياسييه العضويين وحقوقييه الشرفاء وإعلامييه النزهاء”. القيادي البارز في حزب “الاستقلال” المعارض والوزير السابق محمد خليفة انتهز الفرصة ليناشد “الأخ العزيز والصديق الصحفي اللامع سليمان الريسوني” أن يتغلب على كل القوة الكامنة في أعماقه، التي تدفعه للاستمرار في هذا الإضراب عن الطعام لمدة طويلة، وطلب منه التوقف عن هذا الإضراب، موضحاً أن الإضراب لن يؤدي ـ إلا إذا قدر الله ـ إلى خسارة كبرى ليس فقط لأصدقائه وأسرته، لكن للمغرب كله وستكون ضارة بسمعة المغرب.
ودعاه إلى أن يعتبر صدور هذا الحكم رغم قسوته الظاهرة، ورغم أنه لم تتوفر فيه كل شروط المحاكمة العادلة، ورغم أنه تم بدون حضورية ولا شفوية ولا دفاع، “نقطة ضوء في هذا المسار المعتم في قضيته، وإشارة من المولى تعالى أن فرج الله قريب وألا يفقد الأمل وألا ييأس وألا يفقد الثقة بنفسه، وأن يجعل من هذا الحكم رغم قسوته نقطة ضوء وبداية جديدة للإنصاف وللمحاكمة العادلة”. وناشده أن يستأنف هذا الحكم وأن يتوجه إلى محكمة الاستئناف.
واستطرد قائلاً: “أعتقد بأنه لا بد كيفما كان القضاة في أي وطن من الأوطان لا يستمعون إلى ضمائرهم ولا يستمعون إلا لأصوات “الهاتف” التي تأتيهم من أجل إصدار الأحكام، فإنه يوجد قضاة في هذا البلد يستمعون في النهاية لضمائرهم مهما كان الثمن”، وتمنى أن يكون قضاة محكمة الاستئناف عادلين مع سليمان الريسوني، وأن ينطقوا ويجهروا بعدالة الحق لأن العدالة هي التي تصمد، حسب تعبيره.
كما أعرب عن أمله في ألا يعرض ملفه أمام محكمة الاستئناف بنفس المدة التي عرض بها أمام الابتدائية، قائلاً: “إن الأمر يجب أن يتم بسرعة والحكم يجب أن يحرر بسرعة، وفي هذا مكسب للمغرب ولسمعته، وللقضاء المغربي، إذا استطعنا أن نستمع لصوت الحكمة وصوت الضمير من أجل أن يكون هذا المغرب لكل أبنائه البررة”.
وصرح القيادي والوزير السابق إسماعيل العلوي، أحد الوجوه البارزة في حزب “التقدم والاشتراكية” المعارض، بالقول: “اندهشت من الحكم على الصحافي سليمان الريسوني، لأنني كنت أظن أن الملف فارغ، وهو فارغ فعلاً، وبالتالي لا يمكن أن نصل إلى مثل هذه النتيجة والحكم عليه بخمس سنوات سجناً نافذاً”.
وأوضح: “لا يمكنني أن أجادل في حكم القاضي، لكن حوكم سليمان الريسوني بما لا نعرفه عنه، طبعاً هذا الحدث في حد ذاته يجعلنا نتساءل عن أين نسير، هناك هوة بين ما نطمح إليه وما نعيشه منذ مدة. وختم تصريحه مؤكداً “لكن، أعتقد أنه يجب ألا نيأس. أتمنى من موقعي أن يصحح الوضع”.
وكتب البرلماني علي العسري، عضو فريق “العدالة والتنمية” في مجلس المستشارين، تدوينة جاء فيها: “خمس سنوات هي عقوبة سجن لصحافي بنى بقلمه وافتتاحياته قصوراً من أحلام بمغرب أفضل، صرحه وأعمدته من الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة المؤسسات والحريات وربط المسؤولية بالمحاسبة وكشف الفاسدين والمفسدين ومعاقبتهم، وهي في نفس الوقت مدة ولاية البرلمان الذي يستعد للجلوس في مقاعده اليوم كثيرون ممن مكانهم الطبيعي هو حيث يقبع الصحافي فك الله أسره، مستغلين أموالاً مشبوهة لإفساد وهدم كل قصور وأحلام الصحافي السجين! وفي الولاية المنقضية أخذ ثلاثة من البرلمان للسجن، فيما كثيرون أدينوا بالسجن ولم يدخلوه بعد، والأكيد أن ما خفي أعظم!”.
الناشط الحقوقي عبد الرزاق بوغنبور وصف إدانة الريسوني بخمس سنوات سجناً نافذاً بـ”المجزرة القانونية” التي تمت “دون تحديد التهمة بدقة، بعدما اعتقل لمدة تقارب أربعة عشر شهراً، دونَ تلبس ودون أدلة، في عملية كلها مفبركة من أجل الإيقاع بالمنتقدين والمعارضين”.
الدولة اختارت المواجهة
وقابل بين ملف الريسوني وملف المحامي محمد الحسيني كروط الذي كان متهماً بالاغتصاب وحفظت قضيته. وتابع قائلاً: “الدولة الآن تتجه نحو قمع كل المحتجين والمنتقدين للوضع. وصلنا مرحلة صعبة جداً. والدولة اختارت مواجهة أحرار وحرائر هذا الوطن. أعتقد الآن أنه تبين بالملموس أن سليمان الريسوني والمعطي منجب وعمر الراضي ونور الدين العواج مظلومون، وألقي القبض عليهم، وتوبعوا لأنهم عبّروا عن آرائهم. حذار ثم حذار. الدولة الآن تسير إلى النفق المسدود”، وفق ما نقلت عنه صحيفة “هسبريس” الإلكترونية.
في السياق ذاته، قالت الحقوقية خديجة الرياضي إن الحكم على الريسوني بخمس سنوات سجناً نافذاً “مجزرة وفضيحة دولية، تتجسد في كونه اعتقل تعسفاً بدون موجب قانون، وباعتبار الإضراب عن الطعام الذي يخوضه منذ أكثر من ثلاثة أشهر، والطريقة التي تم التعامل معه بها من طرف مديرية السجون، وحرمانه من حضور محاكمته، وحرمانه من الشهود، وحرمانه من دفاعه، ومن كل الطلبات التي وضعها، والحكم عليه في غيابه، بدون إعطائه الكلمة ليدافع عن نفسه”. ووصفت إدانة الريسوني بكونها “مجزرة ضد الوطن، وضد الحريات، وضد الشعب المغربي”، مضيفة: “هذه انتكاسة خطيرة للقضاء المغربي، وانتكاسة خطيرة في مجال حقوق الإنسان، وهذا عنوان للردة الحقيقية التي نعيشها على مستوى الحريات والحقوق” حسب المصدر السابق.
وأصدرت “هيئة مساندة الريسوني والراضي ومنجب وكافة ضحايا انتهاك حرية التعبير” بياناً حول الحكم الصادر ضد رئيس تحرير صحيفة “أخبار اليوم” المتوقفة عن الصدور، الصحافي سليمان الريسوني، مما ورد فيه: “في وقت متأخر من ليلة الجمعة 9 تموز/ يوليو 2021 نطقت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، برئاسة المستشار بوشعيب فارح، بحكمها ابتدائياً في قضية الصحافي معتقل الرأي سليمان الريسوني القاضي بخمس سنوات سجناً نافذاً ومئة ألف درهم تعويضاً للطرف المدني. وهو حكم صادم جاء بعد اعتقال تعسفي جائر لسليمان دام أكثر من سنة، خاض في الشهور الثلاثة الأخيرة منها وما زال إضراباً قاسياً عن الطعام. ذلك بعد أن أخذت محاكمته منحى بعيداً عن مقومات المحاكمة العادلة وخاصة انتهاك قرينة البراءة، ورفض المحكمة لكل الملتمسات والطلبات ودفوعات البطلان المقدمة من طرف الدفاع دون تعليل، وفي مقدمتها طلبات السراح المؤقت”.
خروقات خطيرة
وأضاف البيان: “قضى سليمان 8 أشهر دون أن توجه له أي تهمة، و11 شهراً دون أن يسمح له بالاطلاع على محضر اتهامه إلا لما أنهكه الإضراب عن الطعام، وتمت عقد جلسات محاكمته بعد تغييبه قسراً عنها رغم إصراره على الحضور وطلبات دفاعه المتكررة بهذا الشأن للمحكمة والنيابة العامة، حيث رفضت المحكمة بشكل متكرر ومخالف للقانون الاستجابة لطلب إحضار الصحافي سليمان الريسوني لحضور محاكمته دون أدنى تعليل، كما اختارت النيابة العامة وإدارة السجن التقاعس عن مسؤوليتهما القانونية في إخراجه من السجن بشكل متعمد، كما أن المحكمة رفضت كل طلبات البطلان دون تعليل وانطلقت في مناقشة جوهر القضية دون أن تقوم باستدعاء المتهم ودفاعه من جديد بشكل قانوني، إذ لم يتم إبلاغهم طبقاً للقانون بتاريخ انعقاد جلسة مناقشة جوهر القضية. وهكذا عقدت المحكمة جلستين لمناقشة جوهر القضية دون استدعاء المتهم ولا دفاعه مما نتج عن ذلك عدم حضور المتهم وتغييب دفاعه ولا استنطاق المتهم ولا إعطاء الكلمة لدفاعه، كما أن المحكمة لم تعرض أمامها أي وسيلة اقتناع ولم تستمع لأي شاهد عيان على ما يدعيه الطرف المدني، وهو ما يجعل إجراءات المحاكمة مخالفة برمتها لما نص عليه قانون المسطرة الجنائية المغربي وقواعد المحاكمات الجنائية المتعارف عليها دولياً”.
وأردف البيان قائلاً: “إن ما ارتكبته المحكمة من خروقات خطيرة لقواعد مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحرية الصحافي سليمان الريسوني وكذا الخروقات الخطيرة لقانون الموضوع، تدل على رغبة جامحة في تسخير الأحكام القضائية من أجل شرعنة الظلم، وجعلها آلة للاستبداد، وأداة للانتقام من الصحافيين المزعجين، ووسيلة للترهيب والتخويف والضبط، وتأكيداً للطابع السياسي للمحاكمة التي تعرض لها الصحافي سليمان الريسوني”.
وقالت هيئة مساندة الريسوني والراضي ومنجب وكافة ضحايا انتهاك حرية التعبير، إنها إذ تدين بشدة الحكم الظالم الصادر ضد الصحافي معتقل الرأي سليمان الريسوني، فإنها تؤكد مواصلتها مساندتها له والنضال من أجل حريته وحرية كافة معتقلي الرأي بالمغرب، وجددت مناشدتها له لتوقيف الإضراب إنقاذاً لحياته؛ معربة عن تقديرها لكل الضمائر الحية بالمغرب وخارجه وكل التنظيمات الوطنية والدولية التي ساندت سليمان الريسوني وطالبت بالإفراج عنه، داعية الجميع إلى مواصلة دعمه، كما طالبت بالإفراج عن كافة معتقلي الرأي في المغرب”.
