توتر بين المغرب وجنوب افريقيا يعود إلى الواجهة
“عَمى سياسي وارتباط إيديولوجي” هكذا وصف المغرب موقف جنوب إفريقيا من ملف إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه بين الرباط وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر.
جاء ذلك في رسالة وجهها الممثل الدائم للرباط بالأمم المتحدة عمر هلال، إلى مجلس الأمن الدولي في 24 مايو/أيار 2021، ردا على نقل الممثلة الدائمة لجنوب إفريقيا رسالة من جبهة “البوليساريو” إلى المجلس.
هذا التوتر بن البلدين ليس وليد اليوم، بل يعود لسنوات اصطفت فيها جنوب إفريقيا مع الجزائر ومن خلالها مع جبهة “البوليساريو”، وما إن عيّنت الدولة في يناير/كانون الثاني 2021 سفيرا بالرباط، بعد سنوات من الجمود لتعرف العلاقة نوعا من التقارب، حتى عاد الاضطراب إلى الواجهة.
تاريخ التوتر
في دراسة نشرها مركز “الجزيرة” للدراسات في 2018، بعنوان “استئناف العلاقات المغربية-جنوب الإفريقية: البراغماتية بين التنافس والتكامل”، قال إن المغرب وضع مواقف الدول الحليفة تاريخيا للجزائر (المعسكر الأنجلوفوني) جانبا وأعطى الأولوية للعلاقات الاقتصادية، ضمن علاقات “رابح-رابح”.
ورأت الدراسة أن “المغرب منذ 2013 قام بمراجعة لمحصِّلة نتائج سياساته الخارجية السابقة، والتي اتسمت بالسلبية في التعامل مع القضايا الشائكة، والاعتماد على ردود الفعل بدل المبادرة، والانتظار، واللعب على الزمن بدل العمل المتراكم والمستمر لحل المشاكل”.
لكن الأزمتين الدبلوماسيتين مع ألمانيا وإسبانيا في النصف الأول من سنة 2021، تظهران أن المغرب قرر تغيير سياسته الخارجية مرة أخرى.

منذ عام 2000، شهدت العلاقات بين البلدين برودا لافتا وذلك راجع لموقف بريتوريا إزاء قضية الصحراء، هذا الموقف ترجم الاختلاف بشأنه بين صقور وحمائم حزب “المؤتمر الوطني الإفريقي” الحاكم بجنوب إفريقيا، والذي حسم التزام حكومة بريتوريا بالتمسك بموقفها الأيديولوجي الثوري القاضي بالاعتراف بـ“الجمهورية الصحراوية”.
ورغم الزيارة التي قام بها العاهل المغربي محمد السادس إلى هذا البلد، في سبتمبر/أيلول 2002، للمشاركة في مؤتمر “القمة العالمية للتنمية المستدامة”، واللقاء الذي جمع الملك مع الرئيس جنوب الإفريقي السابق، ثابو مبيكي، على هامش المؤتمر، فقد كان من المفروض أن يعطي زخما في العلاقات الثنائية؛ وهو أمر “ظل دون المستوى المطلوب”.
سفراء التهدئة
في 2018، خصّ وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربي ناصر بوريطة، نظيرته الجنوب الإفريقية ناليدي باندور، التي زارت الرباط لحضور مؤتمر إفريقي لأول مرة منذ استئناف العلاقات بين البلدين، باستقبال خاص، وذهبت عدد من التحليلات إلى أن الخطوة مهمة في طريق إيجاد حل لنزاع الصحراء موضع الخلاف الرئيسي بين البلدين.
وفي يناير/كانون الثاني 2021، استقبل بوريطة، سفير جنوب إفريقيا الجديد في الرباط، إبراهيم إدريس.
وأتى تعيين السفير بعد مرور عام ونصف على التحاق السفير المغربي، يوسف العمراني، بمقر عمله في بريتوريا، في حين ظلت سفارة جنوب إفريقيا بالمغرب تحت إدارة دبلوماسي برتبة قائم بالأعمال.
وكانت الرباط وبريتوريا قد اتفقتا خلال لقاء الملك محمد السادس، ورئيس جنوب إفريقيا السابق، جاكوب زوما، بأبيدجان الإيفوارية في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، على هامش قمة الاتحاد الإفريقي-الاتحاد الأوروبي، على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي عبر تعيين سفيرين من مستوى عال في كل من عاصمتي البلدين.

تقارب مقابل
يربط جنوب إفريقيا بالجزائر (المحتضنة والداعم الأول لجبهة البوليساريو) رصيد دبلوماسي وتاريخي واقتصادي أكثر قوة، بحكم التراث التحرري المشترك ضد الاستعمار وارتباطهما بتحالفات تقليدية في ملفات دولية عديدة.
وإن كان نفوذ الجزائر التقليدي بعدد من العواصم الإفريقية تراجع في السنوات الماضية بسبب خمول جهازها الدبلوماسي وأزماتها الداخلية، فإن الدبلوماسية الجزائرية بدأت في عهد عبد المجيد تبون، الذي تولى الحكم في 2019، تسترجع عافيتها.
وفي يناير/كانون الثاني 2021، أجرى وزير الخارجية الجزائري، صبري بوقادوم، زيارة إلى جنوب إفريقيا لبحث التعاون الثنائي.
ووصف بيان الخارجية الجزائرية، البلد بـ”الحليف الأساسي للجزائر في القارة الإفريقية”.
وبحث بوقادوم مع نظيرته الجنوب إفريقية، باندور، خلال الزيارة قضية الصحراء، وقال البيان الجزائري، إن الطرفين “جددا دعمهما الكامل لتعيين فوري لمبعوث شخصي للأمين العام للأمم المتحدة للإقليم”.
وأعرب الجانبان، وفق المصدر ذاته، عن “قلقهما إزاء انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين المغرب والبوليساريو (في أكتوبر/تشرين الأول 2020)”، ودعيا الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، إلى “مضاعفة الجهود لإرساء مسار سياسي جدي، يفضي إلى استفتاء لتقرير مصير الشعب الصحراوي”.
وعام 1975 بدأ نزاع بين المغرب و”البوليساريو” حول إستقلال الصحراء الغربية، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده بالمنطقة، ليتحول الخلاف إلى نزاع مسلح استمر حتى 1991 بتوقيع وقف لإطلاق النار.
وتصر الرباط على احتلال الصحراء الغربية، وتقترح حكما ذاتيا موسعا تحت سيادتها، فيما تطالب “البوليساريو” بتنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو طرح تدعمه الجزائر.

