فيلم جديد يوثق “الهروب من بريتوريا” أمنع سجون سلطات الفصل العنصري في جنوب أفريقيا
يوثق الفيلم الأسترالي ”الهروب من بريتوريا – Escape From Pretoria“ الصادر في 2020، محاولة جريئة للفرار من سجن بريتورياK الذي يعد أحد أمنع سجون سلطات الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في سبعينيات القرن الماضي.
ويسلط العمل الضوء على مصير المطالبين بالحرية والمساواة في بلاد تمتهن الإنسانية وتمجد العنصرية والشوفينية.
وتروي أحداث العمل سيرة حياة شابين أبيضين؛ هما تيموثي وستيفن المناضلين في سبيل تحقيق المساواة مع سكان البلاد الأصليين، المواطنين من ذوي البشرة السمراء.
ويكافح بطلا الفيلم للقضاء على نظام الفصل العنصري، رافعين شعار وحدة الشعوب ورافضين الإفراط في تعزيز رفاهية البيض على حساب معيشة السكان الأصليين وأمانهم.
وليصل صوتهما إلى السلطات، يعمدان إلى الانضمام لصفوف الأخوة السود المضطهدين ويشاركان في ثورة من شأنها قلب الموازين وزرع فكرة وحدة الأعراق وتصحيح المعتقدات المتشربة بالعنصرية والتفرقة، ولكن النتيجة كانت كارثية.
ثورة
وتبدأ أولى مشاهد الفيلم باتفاق تيموثي وستيفن على توزيع منشورات سياسية ورقية تدعو للثورة والانتفاضة، لتنتشر تلك المنشورات في الأماكن العامة المكتظة بالناس، ولنشهد تتطاير الأوراق في كل مكان وانتشارها بين أيدي الجميع.

إلا أن قوات الأمن تلقي القبض على الصديقين بالجرم المشهود، وتحيلهما إلى القضاء، بتهمة الخيانة العظمى، وأنهما باعا قضيتهما وعرقهما ليقفا إلى جانب التجمع الأفريقي، ودعمت ذلك قسوة القاضي وتعظيم عقوبتهما، إذ يتهمهما بخيانة المدينة التي احتضنتهما واعتنت بهما وأنهما باتا مصدر عار لعائلتيهما المحافظتين.
المحاكمة
ويحكم القاضي بسجن تيموثي 12 عاما، وسجن رفيقه 8 أعوام، في سجن بريتوريا، ليقضيا أيامهما منفردة، ممنوعين من الصحف والأوراق والأقلام والتلفاز والمناقشات السياسية والأنشطة بأنواعها.
بريتوريا
وينقلنا المخرج إلى سجن بريتوريا وروتينه اليومي برن الجرس المزعج الساعة 7 صباحا لينهض جميع السجناء ويصطفوا بانتظام متجهين إلى مهجع الطعام، وهنا كيلتقوبانبدينيس السجين السياسي الذي يمقت العنصرية والمعاملة اللا أخلاقية.

ونستشف من خلال الأحداث أن ”دينيس“ ينفذ حاليا 4 أحكام بالسجن المؤبد، لمحاولته إسقاط سلطات التمييز العنصرية من خلال إطلاقه ثورة عنيفة.
وتمثل شخصية دينيس الشخص المستسلم الخاضع للوضع الراهن دون امتلاكه جرأة التفكير بالهروب أو رفع سقف توقعاته والحلم بالحرية المستحيلة.
تفاصيل
ويقسم المخرج الفيلم إلى أيام، ليعرض تفاصيل اليوم الأول في السجن وينقلنا فيما بعد إلى الأسبوع المقبل ليشعر المُشاهد بوطأة الزمن، وكأن التوقيت في الداخل مختلف تماما عن الخارج وكأن الزمن مُضاعف بسبب حالة الفراغ.
وخلال فترة الجري الصباحي نتعرف مع دينيس على جدران المبنى وعدد أمتارها وأنها محاطة بأسلاك تقتلع البشرة لو استطاع أحد الوصول إلى الأعلى، فضلا عن الجنود المسلحين في الأعلى وسهولة إطلاقهم النار على كل من يفكر بالهروب.
سجناء الضمير
وبمشهد يلامس العاطفة يروي لهم الصديق معاناة ”سجناء الضمير“ بأن كل جديد يأتي إلى هنا يظن أنه سيقضي أسبوعا ليس أكثر، ويفكر بالهروب طيلة الوقت ويهدر مخزون طاقته في إيجاد وسائل هرب ولا يقتنع بفكرة البقاء في الداخل أبدا، إلى أن يستنزف قواه كاملة ويصل إلى مرحلة الاستسلام القدري.
الخوف والقلق
ونجح المخرج في خلق جو من التوتر والقلق ودعم ذلك مشهد تحطم المفتاح داخل بوابة الزنزانة وخوف السجناء جميعهم مع سماع خطوات السجان القادم نحوهم.

ودعم مشاهد الخوف تركيز المخرج على الموسيقى الحقيقية للفيلم من خلال أنفاس السجناء القوية ونبضات قلوبهم المتسارعة، دون استعانة بنغمات موسيقية، لأن الحدث بحد ذاته يخلق رعبا في قلب المُشاهد ليستطيع ملامسة الخوف من خلال صوت أنفاسهم فقط.
وعمد المخرج إلى تنويع تفاصيل السجن تجنبا لعنصر الملل والتكرار حين ينقلنا من اليوم 75 إلى اليوم 100، لنشهد عمل السجناء بتقطيع الأخشاب، وتنظيف المبنى، أو الأشغال الزراعية، أو الركض في الحديقة، ما أسهم في خلق رابط تعلق بين المُشاهد والشخصيات الرئيسة وبشكل خاص في لحظات الخطر، ليشعر المشاهد بأنه داخل الزنزانة وكأنه جزء أصيل من العمل وليس مجرد مراقب خارجي.
وارتكز العمل على عنصر التوتر وتشنج الأعصاب طيلة الفيلم، من خلال تفاصيل صغيرة توحي بمدى خطورة المشهد؛ نقاط العرق التي تسيل على الأرض وتترك بقعا تثير الشك، والمفاتيح لأبواب كثيرة والوقت والصوت والحركة ليلا وتفتيش الغرف والتأكد من وجود السجناء وعقوبة من لم يسمع جرس الصباح ولم يستيقظ، جميعها تفاصيل بغاية الصعوبة.
فالتخطيط لمحاولة هرب مع تصوير أدق التفاصيل وأصغر الأفكار التي تبدو مستحيلة ليس سهلا أبدا.
توثيق
والعمل مبني على أحداث حقيقية، إذ تمكن 3 معتقلين من الهرب بطريقة غريبة وذكية جدا وتؤكد أن المستحيل مجرد كلمة في القاموس، وأن الحرية تستحق أن تبذل من أجلها قصارى جهدك وتكتشف بداخلك قوى خفية لم تعهدها من قبل.
وتعد هذه العملية من أكبر عمليات البحث في تاريخ جنوب إفريقيا، إذ هربوا عبر الحدود إلى موزمبيق وإنجلترا، وانضموا مجددا إلى التجمع الأفريقي القومي وأكملوا الصراع ضد التمييز العنصري إلى أن صدر بحقهم العفو عام 1991.
وأدى الصراع الدولي ضد القمع وغياب العدالة إلى سقوط سلطة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، في العام 1992، وبعد عامين تم ترشيح قائد التجمع الأفريقي القومي، نيلسون مانديلا، رئيسا لجنوب أفريقيا.
والعمل من إخراج وسيناريو فرانسيس أنان، وشارك في بطولته دانيال رادكليف، ودانيال ويبر، وإيان هارت.
