توافق أميركي روسي نادر.. هل يحجّم دور إيران شرقي سوريا؟
أكثر من أي وقت مضى، تنبئ التحركات الروسية باستغلال الفرصة لإضعاف الوجود الإيراني شرق سوريا، مع رغبة الإدارة الأميركية الجديدة في تطويع إيران قبل إعادة تفعيل الاتفاق النووي معها.
ومنذ مطلع 2021 زادت روسيا خطواتها العسكرية في دير الزور (شرق) ودخلت في مشاريع نفطية إستراتيجية، وركزت على محاولة تأمين الطرق الرئيسة المتداخلة مع البادية السورية من هجمات تنظيم الدولة.
واليوم، تشكل الحدود السورية العراقية وخاصة مدينة البوكمال معقلا لتجمع المليشيات الإيرانية الأجنبية، مع وجود معسكرات تدريب كبيرة ونقاط عسكرية في البادية مرتبطة بحماية طرق الإمداد نحو دمشق ولبنان.
وتأتي محاولات التحجيم رغم هذا التغلغل الكبير لإيران شرقي سوريا، الذي يشكل بعدا إستراتيجيا لطموحها في الحفاظ على وجود طويل الأمد في البلاد، بنته على مدى عشر سنوات بمساعدة من النظام السوري.
وبات هذا الوجود يواجه بتحركات روسية سواء لإضعافه أو احتوائه، أو إعادة تقاسم النفوذ في المنطقة وذلك بالتنسيق الروسي الأميركي المشترك، ونزع يد إيران من نقاط حيوية توجد فيها.
ومنها معبر البوكمال الحدودي الذي يسرع عملية نقل الأسلحة الثقيلة برا إلى سوريا ولبنان.
الشريك الأقوى
وعن مؤشرات استغلال روسيا الفرصة لإنهاء الوجود الإيراني في دير الزور، فصل الخبير العسكري السوري العقيد حاتم الراوي ذلك بقوله: “حتى 3 سنوات مضت، كانت إيران تتصدر زعامة المشهد السياسي والدبلوماسي بكل ما يخص سوريا على الصعيد الإقليمي”.
وأضاف الراوي لـ”الاستقلال”: “أما على الصعيد الداخلي فلم يكن (رئيس النظام السوري) بشار الأسد يرفع عينيه أمام (قائد فيلق القدس الإيراني السابق) قاسم سليماني”.
ثم بدأت اللقاءات والاتفاقات تتم بين روسيا وتركيا بعيدا عن مشاركة إيران، ليأتي اغتيال سليماني فيصيب إيران بمقتل في سوريا وتبدأ نار طهران تخفت ويختفي بريقها، وفق قوله.
لكن التحول في الرغبة الروسية كشفته المؤشرات الميدانية، والتي حددها الراوي بقوله: “في مطلع عام 2021، دخلت روسيا إلى مدينة البوكمال وهي النقطة الأكثر حساسية بالنسبة لإيران حيث إنها تشكّل المعبر الوحيد الذي تسيطر عليه بين سوريا والعراق”.

وتابع قائلا: “تمركزت روسيا في الفندق السياحي بالبوكمال وسيطرت على الساحة الرئيسة في المدينة ثم تمددت إلى حقلي الورد والحمّار النفطيين وبعض مواقع المليشيات الإيرانية دون أي مقاومة وهكذا فرضت موسكو نفسها بصفة الشريك الأقوى في المنطقة”.
لم تكتف بهذا القدر من التمدد والتوسع أكثر في دير الزور على حساب إيران كما يرى العقيد.
وأكد أنه في منتصف شهر يونيو/ حزيران 2021 دفعت موسكو بمليشيا (الفرقة 25) بقيادة سهيل الحسن رجل روسيا الأول باتجاه دير الزور.
واعتبر العقيد أن روسيا بذلك التقدم “تكون قد أضعفت إيران في المنطقة الشرقية وهكذا تكون قد اقتربت من السيطرة على المعبر الإيراني الوحيد والذي بفقدانه تكون قد فقدت دمشق وبيروت وزال حلم الهلال الشيعي الذي يمتد من قم إلى الضاحية الجنوبية في لبنان”.
وألمح الخبير العسكري السوري العقيد حاتم الراوي خلال حديثه إلى أن الوضع على الأرض في مدينتي الميادين والبوكمال كبرى معاقل المليشيات الإيرانية شرق سوريا “يشهد تخبطا إيرانيا ملحوظا”.
واستدرك بالقول: “وما الضربات التي نفذتها بها مليشيات إيران بتاريخ 28 حزيران (يونيو) 2021، لحقل العمر النفطي؛ إلا محاولة بائسة لخلط الأوراق لعلها تستطيع الخروج من دائرة اختناقها في المنطقة الشرقية”.
وهذا الحقل توجد فيه قوات أميركية ويقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
تضييق اقتصادي
ويمكن القول اليوم إن الوجود الإيراني في سوريا يتعرض لضغوط عسكرية وسياسية لدفع طهران إلى تقليص وجودها تدريجيا؛ وصولا إلى إخراج مليشياتها من مناطق النظام السوري وتسليمها لروسيا.
ولعل أبرز بوادر ذلك رغبة الولايات المتحدة بإبعاد النفوذ الإيراني عن مناطق قوات سوريا الديمقراطية الداعمة لها في دير الزور والحسكة والرقة.
وخاصة أن طهران حاولت أكثر من مرة كسب العشائر العربية لصالحها في تلك المناطق وتأليبها ضد الوجود الأميركي.
أما روسيا فجهودها باتت واضحة لضبط النفوذ الإيراني في دير الزور من خلال اتباع سلسلة إجراءات.
فضلا عن العامل الأقوى وهو غض موسكو الطرف عن الغارات الإسرائيلية على مواقع إيران رغم تسليم روسيا النظام السوري منظومة الدفاع الجوي “إس 300”.
ولخص الكاتب الصحفي السوري سامر العاني كيفية استغلال إيران المعابر المائية اقتصاديا على ضفتي نهر الفرات اليسرى التي تسيطر عليها قوات قسد واليمنى التي تسيطر عليها قوات النظام السوري.
وقال العاني في تصريح لـ “الاستقلال”: “لا شك أن المعابر النهرية تعد أحد مصادر تمويل المليشيات الإيرانية في دير الزور، إذ إنها أحد طرق تجارة السلاح والمخدرات بين شرق الفرات وغربه”.
وبالتالي فإن سيطرة الروس على تلك المعابر تعني التضييق على المليشيات الإيرانية والحد من تلك التجارة.
لكن الأهم هو التمدد الروسي على حساب الإيرانيين، وهذا يعني المزيد من الضغط ووقف التوسع الإيراني في المنطقة، وفق ما يقول.
طموح روسي
وللطموح الروسي في دير الزور ارتباطات كثيرة سواء سياسية أو اقتصادية، لذا تبحث موسكو عن ثغرات لتحقيق تكامل بينهما بأي طريقة تعود بالنفع على النظام السوري وتكون هي المتحكم الوحيد بمصيرها على غرار باقي المناطق السورية كالغوطة الشرقية وأجزاء كبيرة من درعا.
والمقصد الروسي هنا هو معبر “اليعربية” بالحسكة – المقابل لمعبر ربيعة الذي يربط الحدود العراقية بالمناطق التي تسيطر عليها قوات قسد وحيث تتمركز القوات الأميركية.
وهو ما يعني أن لروسيا أهدافا محددة ومشروطة على واشنطن في إعادة فتح معبر “اليعربية” وعدم استخدام حق النقض “الفيتو”، أبرزها كما يرى كثير من المراقبين هو أخذ موسكو دورا أكبر في دير الزور على حساب إيران وإنعاش اقتصادي للنظام السوري.
وخاصة مع محاولات روسيا الحثيثة إغاثة الأسد عبر أي معبر يقربه من مساعدات المنظمات الدولية، في وقت تعتمد تلك المنظمات على معبر “باب الهوى” الحدودي مع تركيا – شمال إدلب لدخول مساعدتها إلى نحو 5 ملايين سوري في الشمال السوري الخارج عن سيطرة نفوذ النظام السوري.

والمقلق أن فترة السماح بدخول المساعدات عبر “باب الهوى” تنتهي في يوليو/تموز 2021 وسط تهديد روسي بعدم التجديد إلا بشروط معينة.
وفي هذا السياق استبعد الصحفي سامر العاني نجاح روسيا في إقناع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في إيجاد ممرات أخرى لنقل المساعدات الإنسانية إلى سوريا.
وبين ذلك بقوله: “لا أعتقد أن الروس قادرون على إغلاق معبر باب الهوى إذ لا تريد أميركا وضع كافة الصلاحيات بيد الروس، فتركيا بالنهاية ترتبط مع واشنطن بالكثير من القضايا الإستراتيجية وعلى رأسها حلف الناتو (شمال الأطلسي)”.
وأشار إلى أنه “على الرغم من وجود توتر في العلاقة بين واشنطن وأنقرة في عدد من القضايا أهمها وجود تنظيم PKK على حدودها بدعم أميركي إلا أن العلاقة الأميركية الروسية ليست أقل توترا”.
لذلك لا يمكن للأميركان السماح بخنق مناطق المعارضة إرضاء لروسيا، وفق تقديره.
استقطاب محلي
التدخل الإيراني إلى جانب النظام السوري لمساندته في قمع الثورة السورية منذ عام 2011، بات اليوم يقلق روسيا بشكل أساسي ومن ثم الولايات المتحدة وإسرائيل.
لا سيما عقب تشكيل طهران لمليشيات محلية بلغ قوامها مع الأجنبية التابعة لها نحو مئة ألف عنصر يتوزعون على أراضي البلاد.
وتبقى روسيا هي المستفيد الأكبر من الغارات الإسرائيلية على مواقع المليشيات الإيرانية بسوريا، والتي أضعفت وجودها العسكري وبدا ذلك جليا من خلال كثرة سحب تلك المليشيات من بعض المدن وتغيير تموضعها بين الفينة والأخرى.
ووفق ما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال” بتاريخ 21 يناير/كانون الثاني 2021، توقع مسؤول إسرائيلي أن تستمر الهجمات الإسرائيلية ضد الوجود الإيراني في سوريا في ظل إدارة بايدن.
ويأتي ذلك انطلاقا من حقيقة أن “اقتلاع الوجود الإيراني من سوريا يشكل مصلحة مشتركة للطرفين”.
ولهذا قدمت القوات الروسية الموجودة بدير الزور عروضا لعناصر المليشيات الإيرانية المحليين، لاستقطابهم وتجنيدهم في صفوفها وآخرها في مايو/أيار 2021.
واستغلت موسكو تأخر طهران بدفع رواتب هؤلاء العناصر وحالة الخوف لديهم من تكرار الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية على تلك المواقع وهروب بعضهم إلى مناطق قوات قسد.
وفي منتصف يونيو/حزيران 2021 أقدم عدد من الضباط الروس على تكريم قائد مليشيا “الدفاع الوطني” في دير الزور “فراس الجهام”، والتي تتبع مباشرة لقيادة المنطقة الشرقية في صفوف قوات النظام السوري.
واعتبر ذلك التكريم رسالة روسية لتشجيع شباب دير الزور على الانخراط في صفوف التشكيلات التي تدعمها، والتخلي عن إيران عبر تقديم كثير من المغريات لتجنيدهم.
