من التدين الرقمي إلى التطرف الرقمي
تمثل منصات التواصل الاجتماعي اليوم أكبر مأزق فكري واجهته النظريات السياسية الحديثة؛ فبعد أن جرى تصنيفها مطلع الألفية كأداة ثورية لتعزيز “الديمقراطية الرقمية” والقوة الناعمة، ومد جسور التعارف واكتشاف الآخر، تحولت بفعل خوارزميات الاستقطاب إلى مسرح صراع فكري وجيوسياسي جديد، يتسم بالاستقطاب الأيديولوجي الحاد عبر ما يُعرف بـ “غرف الصدى” (Echo Chambers).هنا، يقع المستخدم في فخ “غرفة الصدى” حيث لا يسمع إلا صوته وصوت من يشبهه، ويصبح يرى الدين من خرم إبرة جماعة، أو شيخ، أو تيار رقمي واحد، مما يزرع فيه بالتدرج وهم امتلاك “الحقيقة المطلقة”.
بقلم: حياة عمور إعلامية مختصة في الديبلوماسية الدينية
وفي هذا الفضاء الافتراضي، يغيب “الشيخ المربي” والمؤسسة الدينية الوسطية التي توازن بين النص والواقع، ويحل محلها “المؤثر الرقمي”؛ الذي قد يمتلك الكاريزما الجاذبة، لكنه يفتقر إلى الأهلية الفقهية والموسوعية. هذا الفراغ المعرفي، ممزوجاً بحماس الشباب وحاجة المنصات للتفاعل، يولّد نوعاً من “الاستعراض الديني الفج”.نتيجة لذلك، يتحول الدين من علاقة روحية خاشعة بين العبد وربه، إلى “معارك هوياتية” رقمية، يصبح المقياس فيها: من الأكثر حدة؟ ومن الأقوى في سحق الآخرين لفظياً؟ وهنا ينزلق المستخدم، مدفوعاً برغبة صادقة في الاستقامة أول الأمر، إلى ممارسة “الوصاية الرقمية”، ثم إلى “التطرف الرقمي” الذي يبدأ بإقصاء الآخر إلكترونياً (حظر وتكفير )، وقد ينتهي بتبني أفكار عنيفة تجد طريقها إلى أرض الواقع.هذا الاستقطاب لا يسير في اتجاه واحد، بل يمثل حالة من التأرجح الفكري الحاد بين طرفي نقيض.
فالبيئة الرقمية التي تنتج الغلو والتطرف، هي ذاتها التي تدفع آخرين نحو الإلحاد؛ إذ لا يمنح الفضاء الافتراضي العقل مساحة للبناء المعرفي التراكمي الهادئ، بل يقدم معلومة “مغلفة” وسريعة ومقتطعة من سياقها التاريخي والفلسفي. وعندما يصطدم الشاب بإشكالات معرفية معقدة في مقاطع قصيرة (Reels/TikTok) لا تتجاوز ثوانٍ معدودة، يعجز بناؤه الفكري الهش عن الصمود، فيندفع نحو “الإلحاد الرقمي” هرباً من سلطوية الخطاب الديني المتشدد الذي واجهه افتراضياً، وبحثاً عن إجابات لم تمنحه الخوارزمية وقتاً لتدبرها.
لقد أدى هذا إلى تحول بنيوي في مفهوم “التدين”، إذ نُزعت الصبغة الروحية والأخلاقية عنه ليصبح مجرد أداة في معارك الوجاهة الرقمية القائمة على فرض الوصاية في الفضاء العام. هذا التحول الخطير يحوّل الدين من صمام أمان وسكينة للمجتمعات، إلى وقود يغذي الصراعات الداخلية ويفكك النسيج الاجتماعي.إن معالجة هذا الانزلاق لا تتم بأدوات المنع التقليدية أو الحجب الرقمي، بل بصياغة استراتيجية لـ “أمن فكري سيبراني”، يفرض استعادة المؤسسات الوسطية للمجال الرقمي بأساليب تناسب العصر، وتبني مناعة واعية لدى الأجيال تفصل بين التلقي الروحي الحقيقي، والاستعراض الافتراضي الزائف.إن هذا الفضاء الرقمي ليس مجرد شاشات للتسلية العابرة، بل هو “الساحة العامة الجديدة” التي تُصنع فيها مصائر الأمم وتُشكل عقول أجيالها. وإذا لم تلتفت المجتمعات لخطورة هذا المنحدر، فإن “القرية العالمية” التي أردناها يوماً لتعميق التعارف الإنساني، قد تتحول إلى ساحة حرب فكرية طاحنة تقوض استقرار الواقع المعيش.
