“تزداد حدة”.. صحيفة إسبانية ترصد أسباب توتر العلاقات بين الرباط ومدريد
سلطت صحيفة إسبانية الضوء على سبب الأزمة الثنائية التي توتر العلاقات بين الرباط ومدريد، في رفض الأخيرة الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية.
ومع ذلك، تعتبر الصحراء “إقليما غير متمتع بالحكم الذاتي”، وفقا للأمم المتحدة، كما تعتبر إسبانيا الدولة القائمة بالإدارة المسؤولة عن استكمال عملية إنهاء الاستعمار.
وقالت صحيفة “بوبليكو” إن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، أزاح الستار، في 31 مايو/أيار 2021، عن النوايا الحقيقية التي تجعل بلده يطلق النار في وجه جارته إسبانيا. وفي حقيقة الأمر، يتمثل السبب الأوحد الذي يقف وراء هذا النزاع الدبلوماسي في موقف إسبانيا من الصحراء الغربية.
في بداية الأمر، كانت كل الدلائل تشير إلى أن سبب هذه الأزمة هو السماح بإيواء زعيم جبهة “البوليساريو”، إبراهيم غالي، في مستشفى لاريوخا بعد إصابته بفيروس كورونا، وقبوله بهوية بديلة لأسباب أمنية.
وفي خضم هذا الجدل، كانت المخابرات المغربية هي الجهة التي كشفت عن مكان وجود غالي. ومع ذلك، فإن هذا ليس سبب الابتزاز الذي يمارسه المغرب على الحكومة الإسبانية والذي بلغ أوج حدته في 18 مايو/أيار 2021، عندما سبح آلاف المغاربة (كثير منهم قاصرون) إلى مدينة سبتة بتشجيع من سلطات الرباط.
صراع السيادة
وأشارت الصحيفة إلى أن “الصراع الصحراوي دخل مرحلة جديدة منذ 2020، ففي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، انتهك المغرب وقف إطلاق النار ساري المفعول منذ عام 1991 من خلال حل احتجاج سلمي للمدنيين الصحراويين في منطقة الكركرات”.
ونتيجة لهذه التطورات، أعلنت جبهة “البوليساريو” الحرب على كامل أراضي الصحراء، ووقعت اشتباكات على طول الجدار البالغ طوله 2700 كيلومترا، الذي بناه المغرب لتقسيم الإقليم وسكانه.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2020، اعترف الرئيس المنتهية ولايته للولايات المتحدة، دونالد ترامب، في تغريدة على تويتر، بالسيادة المغربية على الصحراء، “الأمر الذي يتعارض مع الشرعية الدولية”، وفق “بوبليكو”.
وأضافت: “في واقع الأمر، لا توجد دولة تعترف بمغربية الصحراء، وهي منطقة غير متمتعة بالحكم الذاتي، وفقا للأمم المتحدة، والتي تعتبر إسبانيا القوة الإدارية المسؤولة عن استكمال عملية إنهاء الاستعمار، وضمان حق تقرير المصير للشعب الصحراوي”.
وأشارت الصحيفة إلى أن سكرتير الشؤون القانونية، المستشار القانوني للأمم المتحدة، هانز كوريل، أقر بهذه الحقيقة عام 2002، من خلال القول إن “اتفاق مدريد لم ينقل السيادة على الإقليم ولم يمنح أيا من الموقعين صفة السلطة القائمة بالإدارة، وهو شرط لم يكن بوسع إسبانيا أن تنقله من جانب واحد.
كما أن نقل السلطة الإدارية على الإقليم إلى المغرب وموريتانيا عام 1975 لم يؤثر على الوضع الدولي للصحراء الغربية كإقليم “غير متمتع بالحكم الذاتي”.
وعلى نفس المنوال، عبر وزير الداخلية الحالي، فرناندو غراند مارلاسكا، في أمر صدر عام 2014 عن الغرفة الجنائية للمحكمة الوطنية، حيث عمل قاضيا، عن تأييده لنفس الحقيقة، من خلال التصريح بأن “إسبانيا ما زالت السلطة القائمة بإدارة الإقليم”.
وأوردت الصحيفة أن وزيرة الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون الإسبانية، أرانشا غونزاليس لايا، لم تعدل موقفها منذ تصريح ترامب عام 2020، وأصرت على رفض الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء والتأكيد على أنه يجب حل النزاع وفقا لما تنص عليه اتفاقيات الأمم المتحدة.
ونوهت الصحيفة بأن “هذا الموقف أشعل غضب الرباط، التي رأت في تحرك ترامب فرصة لتجسيد طموح ضم الصحراء إلى أراضيها”.
أما إسبانيا، بصفتها دولة قائمة بالإدارة، فلديها الكثير لتقوله بشأن هذه المسألة على المستوى الدولي، وهذا هو السبب في أن الضغوط واضحة للغاية تجاه قصر “مونكلوا”، ومع ذلك، كان موقف حكومات مدريد المتتالية فاترا ولم تمارس القيادة المتوقعة من السلطة القائمة بالإدارة لحل هذا الصراع.
ونقلت الصحيفة أن “ضم الصحراء يعتبر موضوعا من الدرجة الأولى، بالنسبة للمملكة العلوية، ويعتبر من القضايا المقدسة بالنسبة لها”.
وبالنسبة للنخب المغربية فإن مشروع “المغرب الكبير” قضية أساسية، كما أن أهدافهم لن تنتهي في الصحراء الغربية، حيث تعتبر سبتة ومليلية مدنا محتلة بالنسبة للمغرب، وسيشمل المشروع بعض أراضي البلدان المجاورة، مثل الجزائر.

الأسد الإفريقي
في غضون ذلك، ستجرى من 7 إلى 18 يونيو/حزيران 2021، التدريبات العسكرية لعملية “الأسد الإفريقي”، يشارك فيها حوالي 8 آلاف جندي من الولايات المتحدة والمغرب والسنغال وتونس وإيطاليا والمملكة المتحدة وهولندا والبرازيل وكندا. وستقام في المغرب والصحراء الغربية وتونس والسنغال، أما إسبانيا فلن تشارك فيها، رغم أنها شاركت من قبل.
وبحسب مصادر في هيئة الأركان العامة للدفاع العام الإسباني، فإن هذا القرار ليس له علاقة بالأزمة الدبلوماسية الحالية بين إسبانيا والمغرب، بل إنه لم يتم تضمين هذه الأحداث في توقعات التدريبات العسكرية التي ستشارك فيها القوات المسلحة الإسبانية عام2021.
ومع ذلك، فإن حقيقة إجراء جزء من هذه التدريبات العسكرية في الصحراء الغربية يساعد على فهم الموقف الإسباني، لأن المشاركة تعني بطريقة ما اعترافا ضمنيا بسيادة المغرب على هذه المنطقة.
وفي جميع الأحوال، يبقى الانسجام الجيد بين الولايات المتحدة والمغرب لافتا للنظر، حتى مع إدارة جو بايدن، التي لم تجرؤ حتى الآن على إلغاء إعلان ترامب الذي أصدره نهاية 2020.
وأفادت الصحيفة بأنه لـ”زيادة الطين بلة”، سيتعين على العدالة الأوروبية في الأسابيع المقبلة التحدث علنا عن اتفاقية الصيد، وغيرها من الاتفاقيات التجارية، بين المغرب والاتحاد الأوروبي التي تشمل الموارد الطبيعية للصحراء الغربية والتي يصدرها المغرب إلى العديد من الشركات الأوروبية.
فضلا عن ذلك، ستتخذ المحاكم مرة أخرى موقفا بشأن السيادة المغربية على المياه والموارد الطبيعية للصحراء الغربية، لذلك، فإن التوتر يزداد حدة في الرباط.
ونوهت الصحيفة بأن المسألة الصحراوية تعود بشكل دوري إلى الساحة الإسبانية، وفي ظل هذا الوضع، فإن العلاقات الثنائية الصعبة مع المغرب هي دائما مشروطة بالنزاع على الصحراء.
وأضافت “عموما، تعد هذه العلاقة المعقدة بين الجارين نتيجة لعدم تمكن إسبانيا من التنازل عن سيادتها على الإقليم للمغرب وموريتانيا في اتفاقيات مدريد الثلاثية الموقعة في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1975”.
وختمت الصحيفة مقالها بالقول: “بعد أكثر من 46 عاما، لا تزال الدولة الإسبانية هي القوة الإدارية لعملية إنهاء الاستعمار من أراضي الصحراء الغربية”.
وعام 1975 بدأ نزاع بين المغرب و”البوليساريو” حول إقليم الصحراء، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده بالمنطقة، ليتحول الخلاف إلى نزاع مسلح استمر حتى 1991 بتوقيع وقف لإطلاق النار.
وتصر الرباط على أحقيتها في إقليم الصحراء، وتقترح حكما ذاتيا موسعا تحت سيادتها، فيما تطالب “البوليساريو” بتنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو طرح تدعمه الجزائر التي تستضيف لاجئين من الإقليم.
