مترجم: صحافة العنصرية.. عندما كانت «نيويورك تايمز» حليف الاستعمار الأوروبي
نشرت مجموعة المراقبة الإعلامية الوطنية «فير» جزءًا من كتاب ميلتون أليمادي، مدرِّس التاريخ الأفريقي في كلية جون جاي للعدالة الجنائية في مدينة نيويورك الأمريكية، «صناعة الكراهية: كيف جُسِّدت أفريقيا في وسائل الإعلام الغربية»، والذي تحدث فيه عن إسهام صحيفة «نيويورك تايمز» عن طريق محرر الأخبار الأجنبية التابع لها، إيمانويل فريدمان، في تكريس صورة مشوَّهة وعنصرية عن الأفارقة، وقد أسهمت هذه الصورة المغلوطة في طمس حقيقة الأوضاع في تلك البلاد.
يقول الكاتب: في عام 1948، أصبح الفصل العنصري سياسة رسمية في جنوب أفريقيا، وأصبحت التفرقة العنصرية وعدم العدالة في توزيع الموارد، مع ما تحمِله من أثر سلبي في السكان الأفارقة في جميع جوانب حياتهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، والتي دائمًا ما كانت تصب في صالح الأقلية البيضاء، تحظى بإقرار رسمي. وكان ذلك هو قانون الأرض.
وكان عام 1948 أيضًا هو العام الذي أصبح فيه إيمانويل فريدمان محررًا للأخبار الأجنبية في صحيفة «نيويورك تايمز»، واستمر كذلك لمدة 16 عامًا؛ أي حتى عام 1964، عندما تحررت معظم البلدان الأفريقية من الاستعمار رسميًّا. ووجد نظام الفصل العنصري والمدافعون عن الاستعمار في أفريقيا في فريدمان حليفًا متعاطفًا، وكان باستطاعتهم دائمًا أن يتوقَّعوا تغطية في صحيفة «نيويورك تايمز» تتعارض مع تطلعات أفريقيا في حق تقرير المصير.
الرجال البدائيون.. مثل الأفارقة
يلفت الكاتب إلى أن تغطية «نيويورك تايمز» المتعاطفة مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا كانت مماثلة لتغطيتها في باقي البلدان الأفريقية التي كانت لا تزال تحت السيطرة الاستعمارية الأوروبية. خذ مثلًا مقابلة مراسل «نيويورك تايمز» ألبيون روس مع جابرييل تيكسيرا، الحاكم العام لموزمبيق التي كانت مستعمرة برتغالية آنذاك، وقد نُشرت هذه المقابلة في 22 من أبريل (نيسان) عام 1954 تحت عنوان واعد لكنه مضلل «البرتغال تقبل المساواة الأفريقية». وكان العنوان الفرعي أكثر سخافة؛ إذ يقول: «حاكم موزمبيق لا يرى سببًا يمنع مواطني موزمبيق من الحصول على الجنسية البرتغالية».
والسؤال الواضح الذي كان بإمكان روس أن يطرحه في هذه المقابلة هو: إذا كان البرتغاليون قد قبلوا حقًّا بالمساواة الأفريقية، فلماذا كان الأوروبيون في موقع القيادة والحكم؟ ولماذا لم تُقدِّم الإمبراطورية، خلال أكثر من 450 عامًا من الهيمنة البرتغالية على الإقليم منذ عام 1498، خريجًا جامعيًّا أو قائدًا أفريقيًّا واحدًا؟ ولماذا يريد الأفارقة في موزمبيق، بلدهم الأصلي، الحصول على الجنسية البرتغالية في حين أن البرتغاليين قطعوا آلاف الأميال إلى هناك بحثًا عن الثروات؟
وبدلًا من ذلك، سمح روس للمسؤول الاستعماري بنشر الدعاية البرتغالية عن تفوق العِرق الأبيض باستخدام صحيفة «نيويورك تايمز» مِنصةً له. وأطلع ألبيون روس قرَّاء الصحيفة على أن «جابرييل تيكسيرا، الحاكم العام لموزمبيق البرتغالية، لا يرى بأسًا في وجود برتغال موحدة مستقبلية في أوروبا وأفريقيا؛ حيث يكون الزنوج هم الأغلبية، إنه لا يعتقد أن هناك شيئًا يدعى القومية الزنجية». ألم يكن من المهم إخبار القرَّاء عما يعتقده هؤلاء الزنوج المزعومين في موزمبيق بشأن هذه الخطط التي كانت البرتغال تسعى لتنفيذها من أجل رِفعتهم؟ لم يكن روس ومحرره مهتمين بمثل هذه الأخبار.
وأكَّد الحاكم تيكسيرا لروس أن الفلسفة الاستعمارية البرتغالية لا تتوافق مع التمييز. وزعم تيكسيرا أن التفوق العنصري كان محض «هراء» ولم يكن له أي وجود. ومع ذلك، قال الحاكم لمراسل «نيويورك تايمز» إن: «العَجَلة في تطوير رجال بدائيين مثل الأفارقة، من شأنه أن يدمرهم». وهو ادِّعاء مشابه لما أوردته يونا داشوود في مقال بتاريخ 23 مايو (أيار) 1926 في «نيويورك تايمز». وقال الحاكم لروس إن المسيحية قدمت الخلاص للأفارقة، وسيصبح الأفارقة في نهاية المطاف متحضرين بما يكفي ليكونوا «برتغاليين كاملين».
إن ما يعطي مقال روس قيمة كبيرة (في الاستدلال على تحيزاته ضد الأفارقة) هو أن تحيزاته مفضوحة ومكشوفة من خلال فشله في الاعتراض على أيٍّ من تصريحات الحاكم العنصرية، أو تزويد المقال بوجهات نظر مضادة أو آراء أو معلومات معارضة من أي مصدر آخر، على الأقل من الأفارقة الذي كان الحاكم يبذل قصارى جهده من أجل تحسين حياتهم.
وأضاف وقال الحاكم أيضًا لروس: «نحن لا نؤمن بتفوق عِرق على عِرق آخر. إن الرجل الأسود في أفريقيا يقف الآن في المكان الذي بدأ منه الرجل الأبيض منذ آلاف السنين، ولا يمكنك أن تَعْجَل في توضيح هذه الفروقات، يجب عليك إحداث توازن بين التقدم الأخلاقي والتقدم المادي، فاتصال الشعوب البدائية المفاجئ بالحضارة المادية المتقدمة يقضي عليهم». الحاكم مخبرًا روس: «ومن ناحية أخرى، إذا تأخر التقدم المادي وجاء وراء التقدم الأخلاقي، فسيصبح لديك كراهية وفوضى». ومن ثم وعلى الرغم من أن السود في البرازيل كانوا في أسفل التسلسل الهرمي، كما هو حالهم إلى اليوم في القرن الواحد والعشرين، فإن «المشكلة تكمن في الحفاظ على التوازن بين التقدم الأخلاقي والمادي. والنتيجة النهائية التي نسعى إليها هي كتلك التي تحققت في البرازيل».
ولم يشر الحاكم تيكسيرا، ولم يسأله روس أيضًا، عن المذابح التي ارتكبها البرتغاليون ضد «السكان الأصليين» عندما احتلوا المنطقة ونهبوا خيراتها، والمذابح التي وقعت كلما كانت هناك انتفاضة، خلال مهمة «التمدين» التي اضطلعوا بها على مر القرون. وزعم تيكسيرا أن الأفارقة في موزمبيق ليس لديهم تطلعات تتعارض مع الرؤية البرتغالية لهم. وقال تيكسيرا لروس: «تصويت السكان الأصليين أمر سخيف، كان أجداد هؤلاء الناس في بعض الأحيان من أكلة لحوم البشر، كيف إذن يصوتون؟ ولماذا يصوتون»؟
الاستعمار الأوروبي.. الوصي والقاصر
يقول الكاتب: في مايو 1957، وافق برلمان جنوب أفريقيا على «مشروع لتعديل قانون السكان الأصليين». وخوَّل القانون وزير شؤون السكان الأصليين، هندريك فرينش فيرويد، مَنْع السود من ارتياد الكنائس والنوادي والمستشفيات والمسابح وغيرها من الأماكن؛ إذ كان يُعتَقد أنهم «يسببون إزعاجًا».
وفي مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في 26 مايو عام 1957 تحت عنوان: «قيود جديدة على وشك التطبيق في جنوب أفريقيا»، تحدث مسؤول في نظام الفصل العنصري مع المراسل ريتشارد هانت بشأن الغرض من القانون: يرى الوزير أن هذه الصلاحيات ضرورية لضمان أن تكون علاقات السود والبيض هنا كعلاقة الوصي والقاصر، وتتماشى مع سياسة الفصل العنصري الصارمة.
ولم يُبحث عن رأي الأفارقة أو ردَّات فعلهم حيال هذا الأمر ولم يُنشر أي منها في هذه الروايات الإخبارية.
مساعدة المتوحشين على تحسين أنفسهم
ويشير الكاتب إلى أن الرسائل المتبادلة بين مراسل التايمز، ليونارد إنجلز وفريدمان تكشف أنه حتى عندما يعبِّر مراسل على الأرض عن الحاجة إلى تضمين وجهات نظر الأفارقة في تغطية الصحيفة، كان محرر الأخبار الأجنبية يرفض ويفضل الرواية العنصرية عن أفريقيا. وفي واحدة من الرسائل إلى فريدمان من جنوب أفريقيا بتاريخ 14 يونيو (حزيران) عام 1956، أخبر إنجلز رئيس التحرير أن البيض كانوا غافلين عن التغييرات، بما فيها إنهاء الاستعمار الذي يحدث في أماكن أخرى في أفريقيا.
كتب إنجلز: «لقد سألتني قبل مغادرتي نيويورك كي أعطيك انطباعي بعد أن أقمت هنا لمدة، وانطباعي هو:
«ربما تكون الحقيقة الأساسية والأكثر وضوحًا التي تفاجئ الوافد الجديد هي أن الجيل القادم أو الذي يليه من الزنوج سوف يسيطرون على أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى».
وكان إنجلز، الذي عَدَّ نفسه مراقبًا ألمعيًّا، مخطئًا بالطبع في جدوله الزمني المتوقَّع لإنهاء الاستعمار الرسمي في بقية أفريقيا، الذي بدأ في غانا في العام التالي. بينما كان محقًّا فيما يخص جنوب أفريقيا.
ولكن النقطة الرئيسة في رسالة إنجلز كانت أن «نيويورك تايمز» بحاجة إلى أخذ آراء الأفارقة بجدية أكبر، وهو اقتراح تجاهله فريدمان، قال إنجلز:
«كما تعلم يُطلِق سكان جنوب أفريقيا البيض على أنفسهم وعلى الأشخاص البيض الآخرين اسم الأوروبيين. وفي بعض الأحيان، في سعيهم للدفاع عن سياسات تفوق العِرق الأبيض الخاصة بهم، يجادلون بأن جنوب أفريقيا هي موطنهم الأصلي منذ 300 عام وأن عليهم القتال، يعنون ذلك حرفيًّا، للحفاظ على الحضارة البيضاء في جنوب أفريقيا لأنه ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه».
ومضى إنجلز قائلًا:
«كنت أتحدث مع صديق أفريقي عن هذه الحجة مؤخرًا، فرد عليَّ قائلًا: «يسمُّون أنفسهم أوروبيين! دعهم يذهبون إلى أوروبا». وعادةً عندما تُثار مسألة الفرص الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو التعليمية للأفارقة مع أشخاص من البيض من جنوب الصحراء، يجيبون: «لا تتوقع منا أن نعطيها للمتوحشين، أليس كذلك؟»
ثم يضيف إنجلز كاشفًا عن نزعته الأبوية وعنصريته:
«هذا عادل بما يكفي، ولكن لا يبدو أن هناك كثيرًا من الحماسة للاستمرار في مهمة مساعدة المتوحشين على تحسين أنفسهم».
ويعلِّق الكاتب على ذلك قائلًا: أشار إنجلز في رسالته إلى أن البيض في جنوب أفريقيا لم يتعلموا شيئًا على ما يبدو مما يسمى انتفاضة ماو ماو في كينيا، حيث كان الأفارقة يقاتلون ضد البيض الذين طردوا شعب كيكويو وسلبوا أراضيهم الزراعية الخصبة التي ورثوها عن أجدادهم.
وتابع إنجلز قائلًا: «لقد تحدثت إلى عدد غير قليل من الأفارقة المتعلمين والأذكياء. وأذكر أنهم قالوا إنهم لا يريدون طرد الرجل الأبيض من أفريقيا، وما يريدونه هو أن يساعدهم الرجل الأبيض في تحسين شعبهم، ولكنهم لا يحصلون على تلك المساعدة».
حتى إن مسؤولًا كبيرًا في الإدارة الأمريكية كان يعتقد أن الأفارقة لا يستطيعون إدارة شؤون الدولة ويحتاجون إلى أن يحكمهم البيض، كما كشف إنجلز في الرسالة نفسها إلى فريدمان حيث قال:
«قبل أسابيع قليلة، أمضى جورج ألين، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية، 19 يومًا في جولة في أفريقيا جنوب الصحراء. وقيل لي إنه أعطى رأيه الخاص بشأن حل المعضلة الأفريقية وهو أن يهاجر المزيد من البيض إلى تلك البلاد. وأنا أتساءل من أين سيأتي كل هؤلاء الأشخاص البيض وماذا سيفعلون عندما يصلون إلى هناك»؟
قطعة ملابس واحدة أم جلد حيوان أم بدلة عيد الميلاد؟
يلمح الكاتب إلى أن رسائل إنجلز تُشير إلى أنه تولى مهمة إعداد التقارير عن أفريقيا بجدية أكبر بكثير من محرر الأخبار الأجنبية، بينما فضَّل فريدمان الأفارقة الموصوفين بأنهم متوحشون ومهرِّجون.
وكتب فريدمان في رسالة إلى إنجلز في جنوب أفريقيا بتاريخ 25 يوليو (تموز) 1956 يوصيه فيها بفكرة لرواية خبرية:
«قرأنا أنه في أفريقيا السوداء، حيث لم يكن مفهوم الدراجة معروفًا قبل مولد جيل أو جيلين، هناك الآن طلب كبير على الدراجات».
وتابع: هناك اتجاه متصاعد نحو امتلاك العائلات لدراجتين. فهل هناك ميزة اقتصادية في زيادة تنقل السكان الأصليين؟ ومن أين يشترون دراجاتهم؟ وكم تبلغ تكلفة شرائها؟ وكم من الوقت يلزم الرجل كي يجمع المال اللازم لشراء دراجة؟ هل لديهم مسارات للدراجات؟ أم يقودون دراجاتهم في الأدغال؟ وما هو الزي المعتاد لركوب الدراجة؟ رداء من قطعة واحدة أم جلد حيوان أم بدلة عيد الميلاد (وهي كناية عن العري وقت الميلاد)؟ هل أصبح التجَّار أغنياء؟ هل يوجد مرآب للدراجات في الأدغال؟ وما الآثار الاجتماعية للدراجات؟
يقول الكاتب إنه من الواضح أن مسؤول الدعاية كان أكثر تأثيرًا في توجيه تغطية فريدمان لجنوب أفريقيا من مراسليه، وهو الأمر الذي كشفت عنه إحدى رسائل فريدمان الموجودة في سجلات أرشيفية لدى «نيويورك تايمز». كتب فريدمان رسالة بتاريخ 12 سبتمبر (أيلول) عام 1957 إلى مراسل «نيويورك تايمز»، ريتشارد هانت، في إشارة إلى الدعاية: «ألبرت فيك، الذي يستمتع الآن بمساحة مكتبية في غرفتنا كما تعلم، أرسل إلى ملاحظة تقترح ميزة جديدة قد تجدها ممتعة، يبدو أنه مشروع جيد بالفعل عندما تتاح لك فرصة لتوليه».
وكانت رسالة فيك إلى فريدمان التي تروِّج لقصة المتوحشين الذين يواجهون العالم الحديث تقول في جزء منها:
«لطالما كنت مفتونًا بالرجال السود السذَّج الذين يُنقلون من الأدغال، حيث لم يستخدم معظمهم السيارة أو ربما لم ترَ أعينهم عجلة سيارة من قبل، إلى جوهانسبيرج مباشرةً للعمل في المناجم. وربما تحجز ترانسفال تشيمبر أوف ماينز (منظمة صاحب العمل في صناعة التعدين) لريتشارد هانت رحلة على إحدى طائرات الجسر الجوي مع هؤلاء المبتدئين. قصة إنسانية جيدة عنوانها: رحلة جوية من العصور الوسطى إلى القرن العشرين.
يختم الكاتب هذا الجزء من كتابه بالقول: كان هذا حلم نظام جنوب أفريقيا وقد تحقق؛ إذ عمل فيك مع محرر مفضال مثل فريدمان على توجيه صحيفة «نيويورك تايمز»، التي ربما تكون أكثر الصحف نفوذًا في العالم، نحو القصص الإخبارية التي شوَّهت الأفارقة أو شيطنتهم، بدلًا من التركيز على فظائع نظام الفصل العنصري والخسائر التي لحقت بالأفارقة بسببه.
